” ()1
كتاب مجلة “
هدية العدد ( )12من مجلة “
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
” يوليو 2018 -
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
حازم صالح أبو إسماعيل
تحرير :محمد إلهامي
1
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
2014
املحتوى
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
املحتوى
2
هذه السلسلة
5
هذا الكتاب
4
مدخل إلى السيرة
السيرة هي تذوق اإلسالم!
هل السيرة علم؟!
5
6
الفصل األول :صاحب السيرة
صورة الكمال البشري
صفة النبي
أخالق النبي
الكفاءة اإلدارية للنبي
الكفاءة الثقافية
الكفاءة السياسية
الكفاءة االجتماعية
الكفاءة العسكرية
حكمة الداعية
ُ
الخ ُلق مادة اإلسالم وقوام الدعوة
7
9
11
13
21
25
27
30
30
32
34
الفصل الثاني :البشارات بنبوة محمد
أهل الكتاب
املتح ّنفون
اإلسالم دين األنبياء
39
39
51
54
كتمان العلم وتحريف الدين
الخاتمة :خطورة
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليه 2018
60
3
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
هذه السلسلة
بسم اهلل والحمد هلل والصالة والسالم ىلع رسول اهلل
.
لو أفنى اإلنسان عمره يف قراءة ما تكتبه األقالم لم يبلغ أن ينهي منها إال قدرا ضئيال،
فالعقول ال تتوقف عن اإلنتاج واملطابع ال تتوقف عن الهدير ،ويف عصرنا هذا كاد الناس
ُّ
كلهم أن يكونوا أصحاب أقالم ولهم كتابات ،فما عليك إال أن ُتنشئ حسا ًبا ىلع موقع تواصل
اجتماعي فتصير صاحب منبر عام تكتب فيه.
ِّ
ٌ
قليل من السمين ،فأودية العقول كثيرة ونتاج الفالسفة كغابة
الغث
ومن بين الكثير من
ضخمة متشابكة ..فالعلم النافع بالنسبة لبحور األفكار كالدرر واليواقيت يف أعماق البحار.
والعلم الذي تحتاجه أمة مهزومة مستضعفة تريد أن تنهض ليس كالعلم الذي تحتاجه
األمم يف حال رفاه َي ِتها ورخائها ..فإن أمتنا أحوج إلى فهم الدين الصايف الواضح كما نزل ىلع
محمد
حسن إصالحه بما لديها من الدين ،وتحتاج
،وهي بحاجة إلى فهم الواقع املعاصر ل ُت ِ
إلى علوم النهوض وبناء األمم أكثر من حاجتها إلى علوم الترف والزينة والزخارف .ويف طليعة
علوم النهوض :فهم الدين والسياسة والتاريخ والعلوم األمنية والعسكرية ..فاملكتوب يف هذه
األبواب أولى بالعناية واالطالع والدراسة من غيره.
وقد أنعم اهلل علينا يف “مجلة
نقدم مع كل عدد كتابا هدية ،ونحن
” بفكرة أن ّ
بين أن نستخرجه من كتاب مهم ،أو أن يكون تلخيصا لكتاب مهم ،أو أن يكون ترجمة لتقرير
بحسب أهمية االطالع عليه عندنا.
مهم ..وهكذا ،نختاره
َ
ونرجو أن يعيننا القراء الكرام بترشيحاتهم ومجهوداتهم ،فالباب مفتوح لكل مجهود..
نسأل اهلل أن يكون علما نافعا وعمال صالحا خالصا لوجهه الكريم.
مجلة
5
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليه 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
هذا الكتاب
َّ
وفك أسره ،ببصيرة نافذة وذكاء حاد وقدرة
تميز الشيخ حازم صالح أبو إسماعيل ،حفظه اهلل
َّ
ً
داعية بين الدعاة
عجيبة ىلع استخالص املعاني من اآليات واألحاديث ،ولقد كان قبل الثورة
ال َيعرف قدره إال قليلون ،ثم جاءت الثورة املصرية فكشفت عن سبق مكان وعلو مكانة له بين
السياسيين والدعاة جميعا.
ال يزال ما أنتجه الشيخ حازم أبو إسماعيل يف حاجة إلى خدمة ،فكله تقريبا صوتي أو مرئي،
وال ُيعرف منه املكتوب سوى كتيب وحيد هو –كما يبدو من لغته -تفريغ لدرس صوتي أو محاضرة،
يف حين له مئات املحاضرات والدروس ،إذ هو طويل النفس يف التفصيل والبيان.
وتحويل التراث الصوتي أو املرئي إلى مادة مكتوبة تحتاج إلى جهدا يف التفريغ ثم يف
الصياغة السلمية والعبارة السلسة التي تحاول الحفاظ قدر اإلمكان ىلع روح الكالم املنطوق ،ثم
تأتي مرحلة تخريج األحاديث واآلثار لكي يكون املكتوب عمال علميا ،ويف هذه املرحلة ستبدو
مشارب الشيخ وموارده ومصادره التي أكثر النقل عنها وتأثر بها وسيبدو منهجه أيضا.
هذا الكتاب مستخلص من دروسه يف سلسلة السيرة النبوية ،وهي سلسلة طويلة النفس ال أعرف
أحدا من املعاصرين أطال النفس يف باب السيرة مثله ،فقد بلغت نحو ثمانين ساعة صوتية،
وبعضها لألسف ال يزال مفقودا ،وما استخلصناه يف هذا الكتاب هو دروسه األولى فقط ،فقد بدأ
السيرة بمقدمة عن شخصية النبي تناول فيها جملة أمور أراد بها تصحيح صورة النبي يف أذهان
املسلمين.
أُلقيت تلك الدروس يف نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن العشرين ،وكان الشيخ
حازم يف ذلك الوقت يف نهاية العشرينات وبداية الثالثينات من عمره ،وهو ٌّ
سن مبكر بالنسبة
لقوة املعالجة ملوضوع السيرة ولتنوع اهتماماته فيها ،فالعادة أن الداعية يستخلص من السيرة
ما كان أقرب إلى تخصصه كأن يستخلص املعاني التربوية إن كان من أهل التربية ،أو الدعوية
الجماهيرية إن كان من أهل الدعوة والعمل العام ،أو االجتماعية إن كان من أهل اإلصالح بين الناس
أو بين األزواج ،أو السياسية إن كان من أهل متابعة السياسة وممارستها ..إال أننا سنجد الشيخ يف
هذه السلسلة يطوف بتلك املعاني كلها ،مما يدل ىلع اتساع عقله وتنوع اهتماماته.
7
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليه 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وهذا الجزء الذي استخلصناه ،وفيه تصحيح صورة رسول اهلل
،نحسب أنه من أهم ما ينبغي أن
تشربها املسلمون عن نبيهم أسفرت عن تغييبه
ُيقرأ بعناية واهتمام ،إذ إن الصورة املغلوطة التي َّ
قدو ًة لهم يف جميع أمورهم ،حتى لقد صار ُيكتب صراحة من أقالم محسوبة ىلع الفكر اإلسالمي
أنه ال ُيقتدى بالنبي
إال يف العبادات فحسب!!! وأولئك الذين يكتبون مثل هذه املعاني أو
يحومون حولها ُّ
يخطون تجارب سياسية بالغة الضرر حتى بامليزان السياسي املادي العلماني فضال
عن ميزان الدين.
اقتصر عملي يف الكتاب ىلع اختيار العنوان ،وصياغة الكالم املنطوق يف عبارة سليمة حاولت
قدر االستطاعة أال تفقد روح الدرس الصوتي ،مع ما تبع هذا من نقل بعض الكالم من موضعه إلى
موضع آخر يف حاالت نادرة للحفاظ ىلع وحدة موضوع الفقرة ،إذ األمر يختلف بين حديث ُّ
تدفق
الخواطر وبين حديث الكتابة املرتبة التي تراعي التقسيم والتبويب .وكل هذا مع الحرص التام
أن يكون التدخل معدوما أو شبه معدوم يف كالم الشيخ إال ما كان يف النصوص واملتون ،فلربما
سهله فلم يلتزم بحرفيته ،فكان عملي أحيانا هو رد
ذكر الشيخ نصا فشرحه باللهجة العامية أو َّ
النصوص إلى أصولها .كذلك تدخلت فحذفت بعض العبارات التي تقال يف سياق الشرح بالعامية
رد ىلع سؤال من
وال ينبغي أن توضع يف الكتاب ،ىلع نحو ما فيه:
مزاح عابر ،أو إشار ٌة ألحد ،أو ٌ
ٌ
تشبيه خاص بالبيئة املصرية لتقريب املعنى ،واستعضنا عن كل ذلك بما يكافئه يف
مستمع ،أو
ٌ
اللغة الفصيحة مع مراعاة السهولة واليسر والحفاظ ىلع ألفاظ الشيخ وأسلوبه قدر االستطاعة.
وكنت قد شرعت يف توثيق النصوص وتخريج األحاديث واآلثار فوثقت معظمها لكن لظروف خاصة
لم يمكنني إكمال هذا فاضطررت إلى حذف ما وثقته ،ولعله يتيسر أن نتمه يف وقت الحق إن
شاء اهلل ..فصار الكتاب ىلع هذه الصورة مجرد تحويل الكالم املنطوق إلى نص مكتوب ىلع وفق
منهج الكتب.
أسأل اهلل تعالى أن يجعله عمال خالصا لوجهه الكريم ،وأن يفرج عن الشيخ حازم صالح أبو
إسماعيل كربته وأن يفك بالعز أسره من سجون املجرمين ،وأن يمتعنا واألمة بطول بقائه وأن يكتب
له عمرا مديدا وعمال سديدا وأمرا رشيدا.
محمد إلهامي
27رمضان 1439هـ
12يونيو 2018م
8
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليه 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
مدخل إلى السيرة
إذا أردت أن تتحدث عن العقائد فإن الدعوة إلى العقيدة واالستجابة إليها يف السيرة
النبوية..
ضمته
وإذا أردت أن تتحدث عن الشرائع فإن إلزام الناس بالشرائع والتزامهم بها أم ٌر قد َّ
السيرة النبوية..
عبر عنه أصدق تعبير
وإذا أردت أن تتحدث عن تربية املسلمين ىلع اإلسالم فإنه أمر ُت ِّ
السير ُة النبوية..
عبرت عنه
وإذا أردت أن تتحدث عن إقامة حكم ودولة لإلسالم ،فهذا هو األمر الذي َّ
واقعيا السير ُة النبوية..
سيرة النبي
هي العقيدة دعوة واستجابة ،وهى الشريعة إلزاما والتزاما ،وهي التربية
َت َر ِّب ًيا وتربية ،وهى إقامة حكم اهلل عز وجل يف األرض دولة وسياسة ،بل هي كل قضايا
اإلسالم.
بد أن يعلموا عن حديث النبي
ولذلك ،فإن الدارسين للحديث ال ّ
يف أي يوم من
حياته قد قيل ،والدارسين للقرآن ال بد لهم أن يعلموا عن اآلية يف أي يوم من أيام حياته
نزلت ،وحيا ُته هذه هي السيرة النبوية ،إذ القرآن والسنة نزوال وتطبيقا ال يستطيع املرء أن
يتعرف عليهما أصدق التعرف إال من خالل تعرفه بالسيرة.
السيرة هي تذوق اإلسالم!
انظروا مثال إلى آية نزلت يف الجهاد يف سبيل اهلل ،يقول اهلل تعالى{ :ا ْن ِف ُروا ِخ َف ً
افا
َ
َو ِث َق ً
س َت ْب ِد ْل َق ْو ًما َغ ْي َر ُك ْم َوَل َت ُض ُّرو ُه
يما َو َي ْ
ال} [التوبة ،]41 :أو يقول{ :إَِّل َت ْن ِف ُروا ُي َع ِّذ ْب ُك ْم َع َذا ًبا ألِ ً
َ
ون ِم َن ْ ُ
ش ْي ًئا} [التوبة ،]39 :أو يقولَ :
ين َغ ْي ُر أُولِي َّ
ال ْؤ ِم ِن َ
اع ُد َ
الض َررِ} [النساء،]95 :
{ل َي ْ
س َت ِوي اْل َق ِ
10
أو يقول عن أعداء اإلسالم َ
{ل َي ْر ُق ُب َ
ف ُم ْؤ ِم ٍن إًِل َوَل ِذ َّم ًة} [التوبة ،]10 :أو يقول عنهم:
ون ِ
ول ِم ْن ُه اْل ِج َب ُ
ان َم ْك ُر ُه ْم لِ َت ُز َ
{ َوإِ ْن َك َ
ال} [إبراهيم..]46 :
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
جو من السلم ال يسمع طلقات الرصاص
هذه اآليات إذا سمعها مسلم يعيش اليوم يف ٍّ
يختلف ال شك عمن يسمعونها وهم يف محنة أفغانستان أو الذين يسمعونها والقصف
توادهم
“مثل املؤمنين يف
من فوقهم يف سماء لبنان .وباملثل ،فإن حديث النبي
ِّ
وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”
إذا سمعه املصريون اليوم فهو ىلع خالف سماع أهل البوسنة والهرسك اليوم له؛ سيكون
له مذاق يختلف .بل إذا سمعه املصريون اليوم وكانوا قد سمعوه باألمس قبل أن تقع أحداث
البوسنة والهرسك أيضا يختلف .ملاذا؟ ألن اآلية –أو ألن النص عموما -مذاقها يتأثر بالجو
املحيط بالسامع؛ إذا كان خائفا يستشعر آيات الخوف ،إذا كان فرحًا سعيدًا يستشعر آيات
الحمد والشكر.
وهكذا السيرة يف واقع األمر هي تذوق اإلسالم..
هل السيرة علم؟!
قد يعجب بعض الناس :هل السيرة علم؟ أم أنها قصة بدأت بمولد النبي أو قبل ذلك ثم
تنتهي بوفاته وانتقاله إلى الرفيق األىلع؟
أكاد أقول :إن تخلف املسلمين يف تمسكهم بإسالمهم راجع إلى أنهم ال َي ُع ُّدون سيرة
علما ،بل يعدونها رواية!!
النبي
ٌ
دقيق ،علم يف روايته وإسناده وضبطه ،علم يف مدلوله وفقهياته
وعلم
إنها علم،
ٌ
وداللته ىلع علوم اإلسالم من عقائد وغيرها.
وإذا كان ما تعلمناه عن اإلسالم وشرائعه ومناهجه وواجباته يصل بنا إلى فهم أنه دين
نحو معين وينظم أهدافنا يف الحياة ،فسيأتي
يشمل الحياة كلها ويوجب علينا العمل ىلع ٍ
دور السيرة لتصوغ كل هذا فنعلم منها :ماذا علينا ،وماذا يجب ،وكيف يكون ذلك .إن كل
هو يف حقيقة األمر مخرج مرسوم لهذه األمة إذا أرادت اليوم
مخرج خرج إليه رسول اهلل
أن تنهض بنفسها وأن تعبد ربها وأن تحقق ما يريده اهلل لها.
ُ
سم َيها “السيرة النبوية ا ُ
مل َعِّلمة”؛ ألنها سيرة درست كل شيء:
ولهذا يطيب لي أن أ ِّ
العقائد والشرائع والعبادات واألخالق وصاغتها يف صياغة واحدة.
11
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
الفصل األول :صاحب السيرة
صحيح أننا سنقف يف السيرة كلها مع رسول اهلل
،لكن يحتاج األمر إلى إشارة عاجلة عن
شخصية النبي .ذلك أن جمهور األمة اإلسالمية ال يعرف يف الحقيقة من هو رسول اهلل
! فلنكن
رحيم بالصغار ،وكان رحيما بالكبار،
صرحاء ..إن أغلبنا يعرف واقعة أو قصة ،مثل جمعه الحطب ،وأنه
ٌ
عبر عن شخصية رسول اهلل
لكن النادر القليل هو من يستطيع أن ُي ِّ
أنه لم ُيقصد أن نتعلم ونعلم شخصية رسول اهلل
تعبيرا كامال كأنك تراها .ذلك
،بل مجرد شذرات تقال يف املناسبات ،فإذا
أريد الحديث عن الرحمة اس ُتدعي من مواقف النبي ما فعله يف الرحمة ،أو أريد الحديث يف العدل
استدعيت مواقف العدل ،أو الشجاعة استدعيت مواقف الشجاعة ..إلخ ،أما أن تعلم كيف كان رسول
اهلل بالكامل فهذا أمر مقصود أن ال يعرفه املسلمون.
ال بد أن نصحح هذه الصورة التي َتنسب إلى النبي
حسن الخلق وسمو الطباع لكنها تجهل
مالمح شخصيته ،كيف يفعل إذا أقبل وإذا أدبر وإذا تصرف وإذا ما كان يف موقف غضب أو موقف
رضا ..إلخ.
***
وأهمية التعرف ىلع شخصية النبي
هو يف أنها تقربنا من حقيقته الكاملة ،وذلك أن
الشخصية الواحدة فيها متقابالت ،فقد تجد إنسانا بالِغ الحياء وهو –لهذا -ليس شجاعا وال مقداما،
بل إن حياءه قد يؤذيه ويدفعه إلى السكوت عن منكر .وقد تجد إنسانا غضوبا للحق ال يقبل أن
ُّ
الحق عنده ويثور لكي تعود الحقوق ألصحابها ،ولكنه َت َع َّو َد هذا الغضب فما يستطيع أن
ُينتهك
سمحا ُحلوا طيبا .ولذلك فمن القصور أن يتحدث الداعية عن ُ
الخ ُلق الواحد فيستقر يف
يكون رفيقا ْ
أذهان السامعين دون أن يتحدث عن األخالق املقابلة التي قد تشتبه به أو قد تتعارض معه .ومن
هنا فإن القلة القليلة هي التي تعرف ىلع التيقن والحقيقة شخصية الرسول.
إن الداعية إذا تحدث مرة عن سماحة النبي
ورحمته ،ثم تحدث مرة أخرى عن زهده ،ومرة ثالثة
عن عبادته ،ومرة رابعة عن شجاعته ..فإنه يخطئ حين يترك التوفيق بين هذه األخالق للناس دون
أن يبين ذلك لهم .فالناس ال يستطيعون الجمع واملزج بين هذه األمور كعلم يصلون به إلى الحقيقة.
12
ومن هنا تفقد األمة التصور الكامل لشخصية النبي فتفقد بذلك حسن االتباع والتطبيق لقول اهلل
ان لَ ُكم ف َر ُسول َّ ُ
ََ َ
س َن ٌة} [األحزاب ..]21 :إذ كيف يعرفون األسوة الحسنة؟!
الل أ ْس َو ٌة َح َ
ِ ِ
تعالى {لق ْد ك َ ْ ِ
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
ربما الواحد منهم يذهب إلى املسجد مبتسما ويصافح ويبش يف وجه صاحبه ،ويظن هذا
تطبيقا لسنة “اللقاء بالناس” ،لكنه إذا عاد إلى البيت غضب وتجهم ،ويظن أن هذا “غضب للحق”،
كأنما ليس يف البيت سنة للقاء األشقاء أو الوالدين ،وكأنما ليس يف الطريق أو املسجد غضبا
النتهاك حرمة اهلل!
ولهذا ففي التعرف ىلع شخصية النبي
نعرف ونتعلم كيف نقابل بين الصفات ل ُنخرج منها
مفهوما واحدا وصياغة واحدة ومعنى واحدا.
إن أكثر الذين يظنون أنهم يقتدون برسول اهلل
ال يقتدون به إال يف املظاهر والقشور ،وقليل
جدا من الناس من اهتم باالقتداء به يف األمور الكبرى.
انظر مثال إلى كفاءة النبي ،وانظر كم من يقتدي بها؟
قد يعجب الرجل برجل لصفاته الشخصية :هدوئه واتزانه وتبسمه وأدبه والتزامه باملواعيد
ولطفه ..لكن بمجرد أن ُي َّ
بعمل إذا بالعمل ينهار بين يديه ،ألنه ليس ُك ْف ًئا ،ال يعرف كيف يدير
كلف
ٍ
العمل .والعكس صحيح أيضا :فقد يعجب املرء بإنسان كفء تشهد له نجاحات العمل باألرقام
واألوراق ،فما إن يلقاه حتى يجده سيئ األخالق ،سليط اللسان أو كذابا أو منافقا أو ال يلتزم باملواعيد.
ولذلك ال ينبغي أن تعجب حين ترى هذه النماذج ،وال ينبغي أن تندهش كيف فشل هذا وهو
صادق وأمين وملتزم وكيف نجح هذا وهو كذاب ومنافق .ذلك أن الكفاءة شيء واألخالق واملميزات
شيء آخر .ولذلك نخطئ جميعا حين نتحدث عن شخصية النبي فال نذكر عنها سوى هذه األخالق
والسجايا ،ونخطئ حين نظن أن االقتداء به هو يف مجرد التحلي بهذه األخالق والسجايا ،دون أن
عجبون بنابليون بونابرت أو
نتحدث ودون أن نتقدي بكفاءته .ولذلك تجد كثيرا من املسلمين قد ُي َ
هتلر أو اآلباء املؤسسين للواليات املتحدة األمريكية أو غيرهم من امللوك والسياسيين واملصلحين،
ولكنهم ال يفهمون –حق الفهم -ملاذا نضع النبي ىلع قمة هؤالء ،ألنهم ال يعرفون النبي
يف
جانب الكفاءة.
إن املسلم يحتاج إلى أن يكتمل تصوره عن شخصية النبي
،لكي يعلم كيف رباه ربه كما
يف الحديث “أدبني ربي فأحسن تأديبي” ،ونحن لن نفهم كيف أدبه ربه إال إذا اكتملت لدينا صورة
الشخصية ،فاملرء فينا إذا ُح ِّدث عن غالم مؤدب :أخالقه وكفاءته وعقله وأدبه وسلوكه ونجاحه،
يتشوق ساعتها إلى أن يعرف كيف ُر ِّبي هذا الولد ،وكيف بلغ هذا.
َّ
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
13
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
بوصف لشخصية رسول اهلل
حريا أن نبدأ
فلهذا كان ًّ
ٍ
لكي نفهم :كيف كان هذا النبي
ؤدب و ُي َر َّبى ،ثم كيف كان يتولى األمور.
ُي َّ
صورة الكمال البشري
إن بعض املسلمين يتوهم أن الرسول
كان درويشا ،إذا ظلمه أحد عفا عنه ،إذا أغضبه أحد
سامحه ،وإذا رأى فقيرا أو جائعا أعطاه وأطعمه ،يهش ويبش ألصحابه حتى إذا صافح أحدا منهم
لم ينزع يده حتى ينزع ..وهكذا!
لكن إذا رجعنا إلى الحق ،واستعرضنا وقائع السيرة سنجد أن رسول اهلل
كان رجال فذا متفردا
ال مثيل له ،كان عقلية لو ُوضعت أمامها عباقرة العالم سوا ٌء يف التاريخ القديم أو الحديث لرجحت
بهم ،وأقصد العباقرة يف أي مجال :السياسي ،العسكري ،اإلداري ،اإلصالحي ..إلخ.
كان شخصية ذكية ،متفردة ،كان عاملا مثقفا مدركا يفهم ما حوله ،ويفهم املرامي البعيدة،
واألسرار ،كان ذا ذاكرة قوية ،نشيطا واف َر املجهود ،قويا ،محببا إلى الناس ،كان صورة متميزة عمن
حوله.
خطوات طريقه ،فما أوحاه اهلل إليه أدركه،
وكان يف غاية النظام يف كل كبيرة وصغيرة ،يعرف
ِ
استعد له وعمل حسابه ،ماذا سيفعل اليوم؟ وماذا سيفعل
وما تركه اهلل له من خطوات وتخطيط
َّ
غدا؟ وماذا بعد غد؟ وما الذي يؤجل؟ وما الخطوات التي ُت َّتخذ قبل هذه الخطوة؟ وكم يستلزم ذلك
من الوقت؟ ..وهكذا! كان شخصية بمعنى الكلمة..
وهو –مع هذا الجد والنظام -رقيق العاطفة ،ال يؤدي أعمال البر والرحمة ملجرد أنه منظم يوزع
ُّ
يهتز من الرقة ملواقف
الحقوق كالبر بالزوجات واإلحسان إلى األطفال والرفق بالعبيد والفقراء ،بل إنه
إنسانية طبيعية قد يمر بها كل إنسان ،فلقد بكى ىلع قبر أمه وهو يف الستين من عمره ،بعد أربع
وخمسين سنة من وفاتها ،وينهمر الدمع من عينيه ،فيقول له صاحبه :ما هذا يا رسول اهلل؟ فيقول:
“إنها رحمة يودعها اهلل قلب من يشاء من عباده ،والراحمون يرحمهم الرحمن” ،يبكي ىلع أمه وقد
م ّرت عليه عشرون سنة من النبوة لقي فيها األهوال! ويفرح بولده الطفل “إبراهيم” فرحة والد بولده،
ويحمله ويهتم له ،ثم ملا ُت ِّ
إبراهيم ملحزونون”،
وف هذا الطفل بكى عليه وقال “إنا لفراقك يا
ُ
وينتفض الولد انتفاضة املوت بين يدي رسول اهلل
فترى فيه الوالد واألب الكريم.
14
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
فلم يكن األمر قرارا عقليا أو تنفيذا لتكليف بحسن الخلق ،بل كان عاطفة تلقائية وفطرة
مودعة يف قلب النبي
،ويف املقابل فإنك حين تنظر إليه وهو يبكي عند موت ولده إبراهيم
ُ
َ
أسامة ُ
حارثة الذي
بن
تراه وقد جاء
بن زيد –الذي هو حفيده يف امليزان الجاهلي ،ألنه ابن ربيبه ِ
زيد ِ
النبيَ
اتخذه النبي ولدا له قبل أن ُيبطل اهلل التبني -ورأى
ّ
ىلع هذه الصورة من الحزن ،فصرخ
ُ
أسامة ،البكاء من الرحمة والصراخ من
أسامة ،فإذا به يوقف بكاء نفسه وينظر إلى أسامة ويقول“ :يا
الشيطان”.
أي قوة تلك التي جعلته وهو يف قمة انهمار العواطف يف نفسه يقف ليصحح عقيدة أو ليصحح
ُّ
حكما شرعيا ألسامة؟! وال يشفع له أن الحالة حالة حزن ووفاة! بل يدفن ولده وهو يردد“ :إن القلب
ليحزن وإن العين لتدمع وال نقول إال ما يرضي ربنا ،وإنا ىلع فراقك يا إبراهيم ملحزونون” .وملا
َّ
سفت ملوت ابن النبي
س َفت الشمس يف ذلك اليوم،
وظن الصحابة –من الحزن -أنها َك َ
َك َ
عليه ،وقف النبي
وحزنه
سفان
بين هذا الجمع وقال لهم“ :إن الشمس والقمر آيتان من آيات اهلل ال َي ْخ ِ
ملوت أحد وال لحياته” .ولك أن تعجب يف هذه الواقعة كيف كان النبي
يتوقف –وهو يف ذروة
ْ
كسف ألجل ابني وإنما هذه من آيات اهلل.
العاطفة -ليمنع من الزيع ويقول :إنها لم َت
ولهذا كان رسول اهلل مثاال للكمال البشري..
كان رجال يدرك شؤون املجتمع ،يتمتع بكفاءة إدارية وسياسية وعسكرية واجتماعية ،صاحب
ألصحابه ،زوج ألزواجه ،أب ألبنائه ،وهو يف ذلك يبلغ الغاية ،ثم هو مع الضعفاء من املسلمين فوق
متبع للشرع.
رحيم عادل ،وهو يف كل حال
ص َّور ،وهو يف نفسه رجل
ٌ
ٌ
ما ُي َت َ
هذه إشارة سريعة إلى شخصية النبي
التي ال نعرفها .فإنك إذا نظرت إلى نفسك وتفكرت:
ماذا فعلت مساء األمس ،وماذا فعلت صباح األمس ..،انظر إلى نفسك وأنت بعيد عن درس علم أو
ان لَ ُكم ف َر ُسول َّ ُ
ََ َ
س َن ٌة ِ َ
ل ْن َك َ
ان َي ْر ُجو
فعل خير ،و ِق ْ
الل أ ْس َو ٌة َح َ
ِ ِ
س نفسك ىلع هذه اآلية{ :لق ْد ك َ ْ ِ
َّ َ
تأسيك بالنبي يف هذه األوقات؟!
الل َواْل َي ْو َم ْال ِخ َر} [األحزاب ..]21 :كم تبلغ درجة ِّ
ال شك أنها ستكون ضعيفة ،وهذا ألننا ال نعرف النبي
جيدا ،فال نعرف كيف نتأسى به يف
كل أحوالنا ،إن أغلبنا ال يعرف سوى %2أو %3من شخصية النبي فكيف نتأسى بمن ال نعرف؟
15
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
صفة النبي
رب
عندما نصف رسول اهلل فإننا نقربه من القلوب ،ونسير ىلع ذات الطريقة التي َّ
قرب بها ُّ
َ
اد ُه
بعض أصفيائه وأنبيائه إلى الناس ،فقد وصف القرآن
العباد
صفات بعض الناس كطالوت { َوَز َ
ِ
َب ْ َ ً
س ِم} [البقرة ،]247 :وذي القرنين ،وغيرهم .ووصف النبي ألصحابه إبراهيم
ف اْل ِع ْل ِم َواْل ِج ْ
سطة ِ
-عليه السالم -وموسى وعيسى وآدم ونوحا عليهم السالم.
َ
جميل الهيئة ،لم يكن قصيرا وال فارع الطول ،بل كان طويال
إنك إذا نظرت إلى رسول اهلل وجدته
َ
وسامته إذ تشعر أنك
جمال الرجال ،فأنت ترى فيه رجال مكتمل الرجولة ،تأسرك
ُمهابا ،وكان جماُله
ُ
أمام رجل عظيم.
ٌ
لحية كبيرة ناعمة سوداء ،وكان النبي ُي ْكِر ُمها ،وكان له شارب ،وكان
ناعم الشعر ،وله
أسود
وكان
َ
َ
ٌ
َّ
هيبة ممزوجة بحب وتعلق ،فقد
ولكنها
مشربا بحمرة ،وكان إذا دخل ىلع أحد هابه،
أبيض الوجه
ًّ
والب ْ
الب ْ
ش ُر هو انطالقة الوجه وانبساطه ويكون يف
ساما بشوشا ُحلو الوجه ،وكان
كان َب َّ
َ
شرِ ،
دائم ِ
كل حال سوا ٌء صحبه ضحك أو تبسم أو لم يصحبه أو كان الوجه جادا ،وكان صادقا ،إذا تحدثت إليه
ال يلتفت إليك بطرف عينه أو بزاوية بسيطة بل ُي ْق ِبل عليك ويلتفت إليك جميعا بوجهه وعنقه
وصدره ينظر إليك ويستمع منك ،واإلنسان حين يجد من يحدثه مقبال عليه مهتما به يدقق يف
الكلمات أكثر ،حتى إن املدرس يهتم بكلماته أكثر إذا كان ُي َدِّرس لطالب متفوقين ومنتبهين.
وكانت طريقة النبي هذه تعلم من أمامه أن يحترمه وهو يتحدث إليه ،فيتحدث بحديث موقر
طائب ال تلتبس عليه كلمة ،وكان النبي إذا أقبل عليك لم يقاطعك أبدا ،فتظل تتحدث حتى
تنتهي ،ولهذا لم يحدث أن ارتفعت عنده األصوات ىلع بعضها –إال يف واقعتين نزل فيهما لوم
شديد ىلع املسلمين -وإنما كان يسمع حتى ينتهي محدثه ،فإذا تكلم هو ال يجرؤ أحد ىلع أن
يقاطعه ،وكان كالمه مفصال ،وإذا أنهى كالمه سكت ،ليس بثرثار.
جادا يف مشيته ،إذا سار كأنه منحدر من صبب ،وتلك عالمة الرجل النشط أو املهموم
وكان ًّ
أو املنشغل ،الرجل صاحب الهدف والغاية ،الذي ال يلوي ىلع شيء َيعرض له ،ىلع عكس الفارغ
أو الكسول فإنه يهتم باملشاهدة واملتابعة ويلفت نظره أقل األشياء ،ولذلك كانت مشية الرسول
تعكس شخصيته .وإني أملح يف هذا الوصف ملشيته فائدتين:
16
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
عال -يسير بسرعة تتناسب مع هذا االنحدار،
األولى :أن املنحدر من صبب –أي النازل من مكان ٍ
فال يستطيع أن يتباطأ أو يسرع أكثر من الالزم ،فإنه لو تباطأ أو أسرع تعثر ،ونحن نعرف من أهل
العلوم أن السرعة تتناسب طرديا مع مستوى االنحدار ،فكلما كان االنحدار أكبر كانت سرعة املشي
عليه أكبر ،ومن هنا نفهم أن سرعة النبي
يف مشيته هي التي تشعر حين تراها أنه ال يمكن
أن يسير أقل منها وال أكثر ،بل ىلع القدر الذى يقتضيه الحال ،فال تشعر يف سيره ببطء أو بسرعة
يلفتان النظر .وهذا هو السير الوقور املهاب الذي يحمل الناظر إليه ىلع التقدير واالحترام.
والثانية :أنها املشية التي نعبر عنها اآلن بأنها “املشية الرياضية” التي تؤثر يف الجسم،
املشية التي يطلبها األطباء من ذوي السمنة لكي تعتدل أجسامهم ،ال املشية الرتيبة ا ُ
لية،
س َّ
مل َ
فهكذا كانت صورة النبي يف مشيته.
وبالعموم ،فقد كان النبي إذا رأيته ِه ْب َته وأحببته ،وقرأت البشر والبشاشة والبسمة يف وجهه،
ص ِّوروا لنا
ثم –وهذا مهم للغاية -هو يلقاك فتلقى منه ما تحب .من املؤسف أنهم أوشكوا أن ُي َ
النبي زاهدا بمعنى أنه غير مهتم لشأن نفسه وال يحفل بشيء من أموره الشخصية ،والواقع عكس
هذا ،بل كان النبي كثير التعطر حتى يقول الصحابي“ :كنا نعرف بمقدم رسول اهلل
من قبل أن
يقدم علينا من فرط رائحته الزكية” ،فكان عطره يسبقه ،وكان من ال يعرفه يحسبه بائع عطور،
فكانوا يحبون رائحته الزكية .وكان ُي َر ِّجل شعر رأسه ،وكان ِّ
ويقصه.
يهذ ُبه
ّ
وقد يتخيل البعض أن النبي
كان مقتصرا ىلع زي بعينه ،والواقع عكس هذا ،فقد لبس النبي
أنواعا من الثياب ،فلبس جبة أهديت له من اليمن ،ولبس العمامة ىلع رأسه ،ولبس الخمرة –التي
نسميها ُ
الغ ْترة -ولبس َ
سوة ،كما لبس ما جاءه من ثياب الروم ومن ثياب مصر ،ولبس السراويل،
القَل ْن ُ
سبل ثوبه تحت الكعبين،
وكافة ما كان يف عصره من الثياب طاملا كانت ال تخالف الضوابط ،فال ُي ِ
ثوب ضيق األكمام فلبسه ،فلما
وال يلبس ثياب الشهرة ،وال ثيابا تعوقه عن العبادة ،فقد جاءه يوما ٌ
حضرت الصالة عاقه ضيق األكمام عن الوضوءَ ،
فش َّ
ق هذه األكمام ليتوضأ .نعم ،كان بإمكانه أن
يخلعه لكنه أحب أن يكون ذلك تدريبا لهذه األمة ،فيكون ارتداؤه أوال ً
دليل ىلع جواز لبسه ،ويكون
ُّ
شقه تعليما لألمة أال يعوقها شيء عن حسن العبادة وصدقها ،فرآه الناس وهو يرتديه كما رأوه وهو
يشقه ليتم له الوضوء .فيكون الدرس :البس ما تشاء ،لكن ال تلبس ما يقيدك يف العبادة.
17
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
أخالق النبي
ِّ
متكلف ،وكان العطاء قريبا إلى شخصيته ،رآه مرة
وكان مع حسن مظهره وثيابه بسيطا غير
ٌ
رجل وعليه ثوب أُ ْه ِدي له ،فقال له :يا رسول اهلل ،أعطني هذا الثوب ،فخلعه وأعطاه إياه ،فليس
معنى االعتناء باملظهر أن ُيهمل الفقراء والعرايا والجائعين ،بل طاملا وجد النبي
ما ُيعطى
فإنه يعطيه ،وما دام يجد ما ينفق منه فإنه ينفقه ...وهكذا!
“ه ِّون
وكان مع هيبته متواضعا خفيض الجناح ،ملا دخل عليه رجل فارتعد منه ،قال له النبي َ :
يدخرونه ،فانظروا
عليك ،فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة” ،والقديد :هو الخبز الجاف الذي َّ
هدئ من َر ْوع الرجل و ُيظهر له أنه ليس ملكا وال
كيف يذكر حال الفقر التي كانت فيها أمه لكي ُي ِّ
قبل يد النبي
ينبغي له أن يرتعد أو يخاف .وذات مرة أقبل رجل يريد أن ُي ِّ
فقال له النبي “ال
تعاملني كأني ملك من امللوك أو سلطان من السالطين وإنما أنا كذا وكذا” .ودخل النبي
ىلع
فه ُّبوا له وقوفا فقال لهم :اجلسوا ،وكرر هذا املعنى.
املجلس ذات يوم َ
ولسنا هنا نتحدث عن الحكم الفقهي لهذه األفعال ،فإنه يجوز الوقوف للقادم ،ويجوز تقبيل أيدي
العلماء والصالحين ،وال حرج ىلع النفس إن داخلتها الهيبة من أحد ،لكنما نتحدث عن شخصية
النبي وصفاته.
ولذلك انظر إلى حب الناس وتقديرهم للنبي ،ولن أحدثك عن حب أبي بكر وعمر وكبار الصحابة
له ،بل هذا أبو سفيان –وهو قائد جيش املشركين املحاربين للنبي -ملا التقى النبي للمرة األولى
بعد الهجرة ،وكان ذلك ُقب ْيل فتح مكة ،رجع يقول“ :لقد أتيت امللوك ..كسرى ..قيصر ..فما رأيت
أحدا يحبه أصحابه قط كحب أصحاب محمد محمدا ،إذا توضأ بادروا إلى وضوئه .”...وهذا سهيل بن
رئيس وفد التفاوض يف صلح الحديبية والذي أصر ىلع أن يمحو من الوثيقة كلمة
عمرو الذي كان
ُ
“محمد رسول اهلل” ،كان بعد إسالمه ما يقع من رسول اهلل
ويمسح بها وجهه ورأسه وثوبه تبركا وحبا لرسول اهلل
يف الوضوء قطر َة ماء إال ويمسكها
.بل كان النبي
إذا عاد من غزوة فإن
أول من يستقبله األطفال ،ويقبلون عليه ،وهو يداعب هذا ويداعب هذا ،فكأن عودته هي فرحة
عامة بينه وبين األطفال.
18
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
عال وأدب رفيع ،أو ما نسميه اآلن “البروتوكول” أو “اإليتيكيت” ،الذي
وكان النبي صاحب ٍ
ذوق ٍ
ُي َعِّلمونه اآلن لبعض الناس ،كيف يأكل وكيف يشرب وكيف يخرج وكيف يعطس وكيف يتثاءب ..كل
هذه األمور –لو نظرتم -ستجدونها يف سنة الرسول ،وال أقصد هنا سنته أي تعليماته وتوجيهاته
للناس ،بل أقصد حاله هو نفسه ،ففي التثاؤب -مثال -كان يوصي أن يكظم املرء تثاؤبه ما استطاع،
ً
عالمة ىلع استثقال
حتى ال يكون هذا عالمة ىلع الضيق والضجر من الضيف أو الصديق أو
املجلس والرغبة يف انتهائه .ولهذا قال النبي “فليكظم ما استطاع ،فإذا غلبه التثاؤب فليضع
يده ،“ ....ويف العطس أيضا يتكرر ذات التوجيه.
وكان حريصا ىلع سنن الفطرة ،فال يطيل شاربه –كما يفعل أحبار اليهود -بل كان يقصه حتى
حد واحد يروق من يراه ،وكان يكرم لحيته ،ويرفع الشعر الزائد من جسده ،ويزيل العرق ،يحلق
كأنه ٌّ
العانة ،وينتف الشعر تحت اإلبطين ،ويقص األظافر ،فتخيل أنك تجلس إلى رجل بهذه الصورة،
والب ْ
شر واإلقبال ،ال ينزع يده حين تصافحه
ويفوح منه العطر ،وشأنه كما وصفنا يف الكالم والتبسم ِ
حتى تكون أنت الذي ينزعها ،يعطيك شعورا بأنه يشتاق إليك ويفرح برؤيتك!! وكان مما أعطاه اهلل
له أن يده
كانت تكون باردة يف الصيف ودافئة يف الشتاء ،وهو بهذه الحال يظل ال ينزع يده
من يدك حتى تنزعها أنت.
وكان يجلس وسط الناس ،ال يتفضل عليهم يف املجلس بل يكون بينهم كأحدهم ،فال يعرفه
الداخل من بين أصحابه ،بل يسأل :أيكم محمد؟ ،وال يتميز عليهم ال فى ملبس وال فى جلسة وال
فى عظمة ،وإنما هو واحد منهم ،ومع ذلك له فيهم هذا املقدار.
س َن الصحبة ،فإذا كان مع صحابته يف دخول ال يكون أول الداخلين ،بل يدفع أصحابه
وكان َح َ
بين يديه و ُي ْد ِخ ُلهم ويدخل بينهم كأي واحد منهم.
وإن العجيب يف أخالق النبي
أنها دائما يف درجة املثالية املطلقة ،فلم يحدث مرة أن
أنس َ
أنس –وكان
بن مالك لقضاء شيء ،فوجد ٌ
أخرجه الغضب عما ينبغي له .فقد أَرسل يوما خادمه َ
غالما -الصبيان يلعبون فترك ما خرج ألجله ولعب معهم حتى نسي أمر النبي
،يقول“ :يا أنيس،
اذهب إلى حيث أمرتك” ،فانظر إليه يقول له مالطفا ومداعبا “يا أنيس” ،فهل هذه هي العقوبة
لخادم ترك شأنه وأخذه اللعب؟!!
19
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
عشر سنين” ،وهي السنين التي تتغير فيها أطوار حياة
يقول أنس“ :خدمت رسول اهلل
اإلنسان ،فكان طفال عندما بدأ الخدمة ،وم ّر بمرحلة املراهقة ،ثم مرحلة الفتوة ثم الشباب من سن
عشر سنين إلى عشرين سنة ،وهو سن املراحل املتقلبة ،أي أنها أصعب عشر سنوات يف حياة
اإلنسان ،يف هذه العشر يقول أنس“ :خدمت رسول اهلل
عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته
لم تفع ْله”.
لم فعلته وال قال لي لشيء لم أفعله لم ْ
وكانت للنبي
ٌ
قصة مع طفل صغير ،هو أبو عمير ،وأبو عمير هو أخو أنس بن مالك ،أي أنه
أخو خادم النبي ،فقد ذهب النبي ذات ليلة ليزور خادمه يف بيته ،ويتفقد أمره وأمر أهله ويحنو
عليهم ويتعرف أحوالهم ،وهناك وجد أبا عمير قد انتحى يف الدار ناحية وهو حزين ،فقال لهم :ما
بال أبي عمير؟ فقالوا له :كان عنده طائر صغير اسمه النغير قد مرض فحزن ملرضه -وقد مات هذا
الطائر فيما بعد -فذهب النبي إليه وظل يداعبه ويمسح ىلع رأسه ويقول له :يا أبا عمير ما فعل
النغير؟ فظل أبو عمير يروي لرسول اهلل
قصة ُعصفوره النغير!
هذا هو ُ
الخ ُلق الذي كان يتعامل به النبي
مع خادمه وأهل خادمه.
تعهدته بالتربية من أثناء
وكان كاألب الحنون ملن كانت حاضنته ،أم أيمن ،وهي الجارية التي َّ
وبعد وفاة أمه ،فلم يعاملها ىلع أنها مجرد جارية تأخذ أمواال مقابل خدمتها فقط ،بل كان إلى
آخر حياته يزورها يف بيتها ويحنو عليها ،وملا وجدها وحدها بعد أن مات زوجها كان يبحث لها
س َّره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن” ،ويتولى رسول
“من َ
عن زوج ويقول لصحابتهَ :
ب رسول اهلل -وأنجبت أسامة
بح ِّ
اهلل بنفسه أمر تزويجها ،وزوجها من زيد بن حارثة –الذي كان ُيلقب ِ
ب ،والذي ملا حاول قوم أن يتشفعوا يف مخزومية سرقت لم يجدوا
الح ّ
بالح ّ
ب بن ِ
بن زيد الذي ُل ِّقب ِ
إال أسامة ليتشفع ملكانته عند رسول اهلل
كيف كان موقعه عند رسول اهلل
،فتأملوا :هذا ابن عبده العتيق وابن جاريته العتيقة،
!!
وقال لجارية ذات يوم ،وقد تأخرت عليه يف أمر وهي تلعب“ ،لوال خشية َ
الق ْود (أي :القصاص)
س َت ْنكرا ،لكن هكذا كان خلق
ألوجعتك بهذا السواك” ،ولو أنه فعل هذا مع ٍّ
حر –ال جارية -ما كان ُم ْ
رسول اهلل
،فبلغ درجة عالية من درجات الرفعة بين قومه.
20
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
هذه الرفعة عادة ما تغير املرء ،فيتعامل بمقتضاها ،كأن يطلب ممن حوله أن يحملوا له شيئا أو
يخدموه بشيء ،إال أن أخالق النبي
تواضع يبلغ درجة
قد غلب عليها شيء عجيب من التواضع،
ٌ
الظن أنه هو املسئول أن يحمل لغيره أو يقدم لغيره املنفعة ،و ِمن هذا أنه ذهب يوما إلى السوق،
فم َّد أبو هريرة يده ليحمل عن رسول اهلل
َ
رسول اهلل
،فقال النبى
“ :صاحب الشيء أحق بحمله” ،وسار
حامال أغراضه وأبو هريرة إلى جواره ال يحمل شيئا.
َّ
فهش له النبي
ومن تواضعه أن أتاه رجل بهدية بسيطةَ ،ف ْخ ِذ أرنب (أي ُر ْبع أرنب)،
،وصار كلما
عبد فدعاه إلى طعامه ،فانطلق معه رسول
لقي الرجل يقول“ :هذا رجل أهدى إلينا” .وجاءه يوما ٌ
اهلل
،فيشعر الرجل أنه قريب حقا من قلب رسول اهلل
.وكانت تأتيه امرأة ضعيفة العقل
فتأخذه بعض النهار ،فيمضي معها ،ف ُتمسك بطرف ثوبه وتذهب به إلى بعض أطراف املدينة،
صٌ
ت لها بغير أن تشعر منه بضجر أو ملل .وإذا كان هذا تصرفه مع املرأة ضعيفة
وتحادثه وهو ُم ْن ِ
العقل فكيف هو مع أسوياء العقل من الرجال والنساء؟!
هذا ُ
الخ ُلق العالي يشعر اإلنسان معه أنه ضائع حقا ،نحن كالضائعين ،ولذلك ال نصل إلى أهدافنا.
ويف ظل هذا الخلق كان ال بد للقرآن أن يتنزل وينهى عن “الطمع” يف حسن خلق النبي ،فال
يصح أنه كلما ّ
فأفضى إليه بحاجته والرسول
عن ألحد شي ٌء ذهب إلى رسول اهلل
الر ُس َ
حسن أخالقه ال يمتنع عنه ،فأنزل اهلل قوله تعالى { َيا أَُّي َها الَّ ِذ َ
ول َف َق ِّد ُموا
اج ْي ُت ُم َّ
آم ُنوا إِ َذا َن َ
ين َ
َب ْي َن َي َد ْي َن ْج َو ُ
ص َد َق ًة َذلِ َ
ك َخ ْي ٌر لَ ُك ْم َوأَ ْط َه ُر} [املجادلة ،]12 :فصار ينبغي ىلع الذي يريد مناجاة
اك ْم َ
من فرط
الرسول أن يقدم صدقة أوال ،ربع درهم مثال ىلع فقير ،شيء أشبه بالرسوم ،لكن ال ُيدفع للنبي
بل للفقراء ،وذلك قبل أن يمضي إلى النبي ،فانتبه الناس إلى أنهم كانوا يزيدون يف مناجاة
سخت هذه اآلية ولم ُيعمل بها من بعد ،ونزل قول اهلل تعالى {أَأَ ْش َف ْق ُت ْم أَ ْن
الرسول ،ولم يلبث أن ُن ِ
َ
ُت َق ِّد ُموا َب ْي َن َي َد ْي َن ْج َو ُ
اب َّ ُ
الص َل َة َوآ ُتوا َّ
يعوا
ط ُ
ات َفإِ ْذلَ ْم َت ْف َع ُلوا َو َت َ
الل َعَل ْي ُك ْم َفأَ ِق ُ
يموا َّ
الز َكا َة َوأ ِ
ص َد َق ٍ
اك ْم َ
الل َوَر ُسولَ ُه َو َّ ُ
َّ َ
الل َخ ِبي ٌر ِب َما َت ْع َم ُل َ
يضيق
ون} [املجادلة ،]13 :فصلح الحال من بعد ما كان النبي
يرد أحدا.
وقته وال ّ
وهنا يسأل سائل :فما بال النبي قد عبس وتولى يف وجه األعمى ،مع حسن أخالقه هذه؟
21
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
أوال :األصل أن عبد اهلل ابن أم مكتوم هو من كان ينبغي عليه أن ينتظر النبي حتى يفرغ من
حديثه مع مأل قريش ،ترى لو جئتني وأنا يف حديث مع آخرين ،ثم اقتحمت ىلع الكالم وسألت
عن أمر ال يتعلق بما كنا نتحدث فيه ،هل أكون مخطئا لو أني تضايقت من ذلك؟ وربما أكون يف
منتصف اإلجابة أو قبل نهايتها بقليل.
وثانيا :أن النبي
لم يقع أبدا يف أي نوع من اإلساءة أو ِق َّلة ُ
الخ ُلق –حاشاه -بل إنه لم يقل
له :انتظر! وإنما عبس يف وجه أعمى ،أي أن األعمى لن يرى هذا العبوس أصال ،إن عبد اهلل ابن أم
مكتوم لم ير عبوس النبي ،ولم يقع له أي ضرر نفسي ،والجزء الذى يتعلق باإلرضاء النفسى لعبد
اهلل ابن أم مكتوم بصفته أعمى حصل فعال ،فقد سأل ُ
فأ ِجيب!
فلماذا إذن عاتب اهلل نبيه يف هذا؟
واإلجابة:
أوال :إن أصدق ما قيل يف هذا أن اهلل يصحح لنبيه الفهم ،ويضع مقياسا جديدا يف الدعوة ،ذلك
أن ُخ ُل َ
ق النبي البالغ الرحمة والحرص وصل به إلى فوق ما هو مطلوب منه يف دعوة املعرضين،
فكأن اهلل تعالى يقول له :ليس مطلوبا منك أن تبذل كل هذا يف دعوتهم حتى اإلعراض عمن
س َعى (َ )8و ُهو َي ْخ َ
{جا َء َ
شى} [عبس ،]9 ،8 :فإن هذا هو األولى .فذلك تصحيح للفهم واملقاييس.
ك َي ْ
َ
وثانيا :أن اهلل ذكر يف كتابه وعاتب نبيه ىلع شيء لم يره أحد ،بل هو شيء يف عالم السرائر،
فأراد أن يصحح له أنه ال يليق بالنبي أن يعبس ويتولى عن الرجل األعمى من املؤمنين ولو قطع
عليه الحديث مع املشركين ،فليس عليه أن ينشغل باملشركين املعرضين عنه وإنما عليه أن
ينشغل باملؤمنين املقبلين عليه.
فاملسألة ليس فيها أي نقص أخالقي من النبي
حاشاه -فإنه أراد أن يقول “ليس هذا وقته”،
وهذا صائب يف ميزان األخالق .وإنما املسألة تصحيح فهم.
لقد تولى اهلل تربية رسوله بنفسه ،فتدخل لكي يصحح له املقاييس فيرشده إلى أن هذه زياد ٌة
يف الرحمة غي ُر مطلوبة ،مثلما حدث يف قصة أسرى بدر ،فقد عوتب النبي
ملا عنده من زيادة
ٌ
َ
خلق عظيم ،لكن ّ
ألن اهلل يتولى تربية
خلق العفو
الرحمة إذ أراد أن يعفو عن األسرى .نعم ..إن
رسوله بأخالق هي “كان خلقه القرآن” ،كان يحدد له هذه القيم ،فهو تصحيح لفهم األمة ولفهم
الرسول لألخالق التي يرضاها اهلل ،وليس تصحيحا لسوء خلق أو قلة خلق –حاشاه -فاآلية نزلت
لرده عن قصور.
ملعالجة فهم ال ِّ
22
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
ونعود إلى حديثنا فنقول:
وكان رسول اهلل
مادا رجليه،
َح ِي ًّيا صادقا ،لدرجة أنه من شدة حيائه ما ُر ِؤ َى أبدا بين أصحابه ًّ
تحد“ ،ال يحد البصر إلى أحد” ،ولم يكن يتكلم جالسا
أحد نظرة ٍّ
إنما كان يقبضها ،ولم يكن ينظر إلى ٍ
بينما أصحابه وقوف حوله ،بل كأنه واحد منهم ،بل هو الذي كان يخدمهم ،وقصته مشهورة حين
علي
علي سلخها ،وقال آخرّ :
علي ذبحها ،وقال آخر ّ
كانوا يف سفر وجاعوا ،فذبحوا شاة ،فقال أحدهمّ :
شيها ،فقال النبي
ُّ
َ
تأملت ستجد أنه اختار العمل املتطلب للحركة
“وعلي جمع الحطب” ،وأنت إذا
ّ
والنشاط ،إذ يقتضى أال يجلس وال يكون يف ظل وال مقام ،بل يسير بين الجبال والتالل والكثبان
والرمل ،يلتقط الحطب ويختبر الواحدة منها فإذا لم تصلح بحث عن غيرها ،وهو أيضا أكثر األعمال
شغال للوقت ،فربما قضى الساعة أو الساعتين يف جمع الحطب الكايف .وملا قالوا له :ال ،نكفيك
ذلك يا رسول اهلل .قال :أعلم أنكم تكفونني ،ولكني بشر مثلكم أخدمكم كما تخدمونني .وإني أتخيل
الصحابي وهو يف قمة الخجل من رسول اهلل
ويف الغزوات كان النبي
الذي يمر ليجمع الحطب وهو يف مكانه.
كواحد منهم ،يمشي ثلثي الطريق ويركب الثلث ،وهو إذ يمشي
فإنما يمسك ُ
بخطام الناقة ،والصحابي راكب عليها .وتأمل! فهذا الحال ىلع طول ثلثي الطريق
وليس ثلثي ساعة مثال ،وإذا قيل له :يا رسول اهلل ،تركب؟ قال“ :ما أنتما بأقوى م ّني ىلع املشي،
وال أنا بأغنى عن األجر منكما” ،وقد وصلت مسافة الغزوة يف بعض األحيان إلى فوق َ
مسمئة
الخ ِ
كيلو متر ،ولقد كان قويا ،ويفعل ما يعجز عن فعله أشداء الرجال.
ويف وقت سابق صارع النبي
رجال فتيا معروفا يف العرب اسمه “ركانة” ،وكان ال يغلبه
من العرب أحد ،فصارعه النبي فلم يكن إال قليال وصرعه النبي وصار ركانة صريعا ىلع األرض ،فلم
يصدق ركانة ما ّ
حل به ،فطلب التصارع ثانية ،فصرعه النبي ،فطلب ذلك ثالثة ،فصرعه النبي ،
فقال ركانة :أشهد أنك رسول اهلل! فقد أدرك أن األمر غير طبيعي.
وإنما أقول هذا الكالم ألصحح الصورة املغلوطة ،فلم يكن النبي
داعية جالسا ىلع املنبر
مهتما بهندامه وصنعة الكالم ،بل هو يدعو إلى اهلل بكل طريقة ،فيستعمل القوة مع من يناسبه
مدخل القوة ،ولذلك فإنه شخصية قديرة تتمتع بالكفاءة واملوهبة.
23
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وهذا سيدنا علي بن أبي طالب يف إحدى الغزوات أرادوا أن يقتحموا حصنا ،فحمل باب الحصن
وحده وألقاه ،ثم لم يستطع أن يحرك هذا الباب من بعده إال ستون رجال ،فأراد سيدنا علي أن يحمل
النبي فقال له النبي
علي ىلع ذلك ،ثم حاول ثالث مرات ولم يستطع!!
“ :لن تستطيع”،
َّ
فأصر ٌّ
إنه ال بد أن ننتبه إلى أن األمور لم تكن تسير هكذا بالدروشة وال بالسذاجة ،بل إنها خصائص
النبي الرسول!
ويف واقعة أخرى قال علي بن أبي طالب :أنا فارس العرب ،أنا الذي لم يغلبني أحد ،فقال له
النبي “بل ثمة من يغلبك” قال :من؟ قال :فارس خلف هذا التل فانطِلق إليه ،فإن صرعته كنت
أشجع العرب .وكان سيدنا علي بن أبي طالب له ضربات تسمى “األبكاري” ،أي أنها ضربة ِب ْكر ،ضربة
فغِلب علي! ثم قام مرة أخرى ُ
قاضية .فلما ذهب علي بن أبي طالب وجد فارسا ملثما ،فبارزه ُ
فغِلب!
ثم مرة ثالثة ُ
فغِلب! فقال :أقسمت عليك باهلل إال كشفت وجهك .فكشف وجهه فإذا به رسول اهلل،
وقد أراد أال يوقع الهيبة يف نفسه ،إذ لو عرف علي أنه رسول اهلل ما اجترأ ىلع منازلته بذات القوة.
ومن هنا ندرك أن إمامة رسول اهلل
لألمة لم تكن ُ
لخ ُلق دون ُخ ُلق ،بل هو إمام يف قوته ويف
علمه وفى حكمته وفى عقله وفى خبرته وفى فطنته وفى خلقه وفى كل شيء ،يتصاغر املرء
أمام هذه الشخصية.
لقد كتب بعض املستشرقين أن محمدا
ليس بشخصية تصلح للقيادة ،بزعم أنه اشترك يف
حرب الفجار ولم يضرب بالسيف ألن ُخ ُل َقه ال يسمح له أن يحارب بسيف ،فهو أقرب إلى الحلم وإلى
السماحة ،فليس قويا وليس عنيفا ،وإنما اشترك يف الحرب بحمل السهام للمتحاربين ،وهذا غير
صحيح؛ بل كان النبي -يف غزوة بدر -أقرب الناس إلى املشركينَ ،
وف َّر كثير من املسلمين يف أحد
فصمد يف قلة معه ،وكان يف غزوة األحزاب ممن يحفرون الخندق ،وفى غزوة حنين يفر الناس
ويبقى هو يف املقدمة ومعه عشرة ولوال ذلك ملا انتصر املسلمون .وقال ىلع بن أبى طالب :كنا
إذا حمي البأس واشتد الوطيس نتقي برسول اهلل
من العدو فال يكون أحد منا أقرب إلى العدو
منه ،فهو األول يف حالة االشتباك العسكري وحين تقع املعمعة كما يف غزوة أحد وكما صاح يف
غزوة حنين“ :أنا النبي ال كذب” ،وهكذا إذا لم تسر الخطة كما أعد لها كان يتقدم الصفوف ،ويوقف
بهذه القوة والشجاعة زحف املشركين.
24
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وهنا أعود إلى قوله
“لستم أقدر ىلع املشي مني ،ولست أغنى عن األجر منكما” ،إن املرء
ال يتخيل أنه راكب ىلع الجمل والنبي يمسك بخطام الناقة يسوقها ،كيف تحتمل النفس أن َيفعل
سيد الخلق الذي ُغفر له ما تقدم من ذنبه ،كيف يعامله بهذه الصورة العجيبة.
هذا معه
ُ
ومن العجيب كذلك أن صحبة النبي
كان فيهم الشريف القرشي والعبد الحبشي والعربي
واألعجمي والصغير والكبيرٌّ ،
وكل منهم يرى لنفسه منزلة خاصة فوق منازل الناس مع رسول اهلل
ملا يراه من تعامله معه ولطفه ومداعبته ،فهذا أبو هريرة ُي َغ ِّير النبي
اسمه من “عبد شمس”
إلى عبد الرحمن ،وملا رآه يحمل قطة يالعبها قال له :ما هذه يا أبا ِه ّر؟! فصار ُيلقب بأبي هريرة،
فأحب هذا االسم وصار اسمه ولم يعد اسمه “عبد الرحمن” مشهورا.
وذهب النبي
يوما إلى بيت ابنته فاطمة ،فسأل عن علي بن أبي طالب ،فقالت له :ذهب
مغضبا ،فخرج النبي يبحث عنه ليطيب خاطره ويصلح بينه وبين زوجته فوجده نائما يف املسجد،
علي قد أصابها تراب ،فأيقظه النبي
والذي كان مفروشا بالحصباء والرمال والتراب ،فوجد أن لحية
ٍّ
وظل يمسح التراب عن وجهه وهو يقول :قم يا أبا تراب ،فيظل ىلع يروى هذه القصة ويقول
خصني رسول اهلل
بخصائص لم يخص بها غيري ويذكر من ضمنها هذه املداعبة الرقيقة
اللطيفة وكنيته الجديدة.
لقد كان الناس يهابون عمر بن الخطاب -رضي اهلل عنه -لشدته ،بينما تجد مهابة الناس
للنبي
لم تكن لشدته ،وإنما للكمال يف شخصيته ،ولذلك فإن أكرم الناس هو من يرى الكريم
يعينه ويقربه فيزداد له حياء وخشوعا وأدبا ،فهذا هو األدب العالي الذي يجب علينا أن نتعلمه.
إن كل هذه املهابة وكل هذا الحب للنبي
النبي
مع تقربه من الناس يدل إلى أي مدى أجاد
يف إقباله ىلع املسلمين ،فقد كان متفردا بينهم وهو كأحدهم.
انظر إلى النبي
حين يساق واحد من الناس إلى املحاكمة بتهمة السرقة ،فيأتي الشاهد
فيقول :لقد رأيته يسرق ،فيغضب النبي
ويتمعر وجهه ويقولّ :
هل قلت رأيته يأخذ؟.
ّ
25
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
تأمل هذا الفارق الدقيق ،ينبغي أن ال يقول رأيته “يسرق” بل “يأخذ” فلربما أسفرت القضية عن
شاهد آخر يقول :إن الذي أخذه هو ملكه ،أو أنه مكلف من قبل فالن بأخذه ،أو غير ذلك .فال يكون
الشاهد قد ظلم املتهم .هذا الحرص من النبي هو السياج الذي كان يحمي به املجتمع الذي يسبغ
عليه الرحمة.
وتأمل هذا الحرص ىلع بيته ومع أزواجه ،لقد َح َد َثت يف بيت النبوة أزمات ،بعضها شديد
إلى درجة أنه أشيع بأن النبي طلق زوجاته جميعا ،وذلك أنهم اجتمعوا يطالبون بزيادة النفقة
الهم من هذا األمر
التي ال تكفيهن ،فيما يشبه أن يكون مؤتمرا ،وكان يبتسم ويضحك ،ثم أصابه
ّ
َ
اج َ
حتى نزلت آيات شديدة تقول لهنَ { :يا أَُّي َها َّ
الد ْن َيا َوزِي َن َت َها
ك إِ ْن ُك ْن ُت َّن ُتِر ْد َن اْل َح َيا َة ُّ
الن ِب ُّ
ي ُق ْل ِل ْز َو ِ
ُ
ُ
الداَر ْال ِخ َر َة َفإ َّن َّ َ
يل (َ )28وإ ْن ُك ْن ُت َّن ُتِر ْد َن َّ َ
احا َج ِم ً
الل
الل َوَر ُسولَ ُه َو َّ
س َر ً
س ِّر ْح ُك َّن َ
َف َت َعالَ ْي َن أ َم ِّت ْع ُك َّن َوأ َ
ِ
ِ
َ
َ
يما} [األحزاب ،]29 ،28 :انظر إلى التخيير بين إعطائهن املال مع
ظ ً
ات ِم ْن ُك َّن أ ْج ًرا َع ِ
س َن ِ
أ َع َّد لِْل ُم ْح ِ
تطليقهن ،ألن املرأة التي ليست لها عزيمة بيت النبوة لن تبقى فيه .وبين أن يصبرن مع الوعد
باألجر العظيم يف اآلخرة.
هنا جاء أبو بكر –وابنته هي عائشة زوجة النبي
فدخل ىلع النبي
فقال له“ :يا رسول
اهلل ،لقد جئتك من عند أم فالن –زوجته -جاءتني تسألني النفقة” فوجأت عنقها (أي :ضربتها)،
الب ْ
شر -وكان إذا استبشر ُعرف يف وجهه تأللؤ
فسكتت ،فضحك النبي حتى بدت نواجزه ،من ِ
السعادة والبشر -وقال له“ :يا فالن ،ها هن حولي يسألنني النفقة” ،فقام الرجل إلى ابنته يريد أن
يجأ عنقها ،فقام النبي فحجزه عنها ،ثم خرج أبو بكر .فقال النبي
“أرأيت حين كان يريد
لعائشة:
ِ
عنك ،فضحكت ،فدخل أبو بكر يف هذه اللحظة
أن يضربك ماذا فعلت؟” ،يريد أن يقول :لقد حجزته ِ
فوجدهما يضحكان فقال :أدخالني يف السلم كما أدخلتماني يف الحرب” ،فقال :نعم .فدخل.
هذه الصورة اللطيفة أنشأها النبي
يف وسط األزمة ،ولذلك لم تتفاقم املشكلة ولم تطلب
ٌ
زوجة السراح.
ويف يوم آخر عقدوا مؤتمرا آخر ،وقالوا له جميعا ويف هذا املجلس :من أحبنا إليك .وهذا يدلك
أنت األجمل ،أو أنت األحب إلي ،ونحو
ىلع ذكاء النساء ،إذ يجوز الكذب ىلع الزوجة كأن يقول الزوجِ :
ذلك .فلما اجتمعن جميعا معا ،سألنه هذا السؤال ،فقال لهم :غدا أخبركم.
26
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
هم الرسول
إنه من العجيب لرجل يف مثل ّ
وحاله أن يستجيب لهذه األمور ،فلم يقل لهم مثال:
ما هذه التفاهات؟ وهو املشغول بأمور فارس والروم وقريش وغطفان والصحابة والتربية والجهاد
قدرون ما أنا فيه من املشاغل؟! لم يترك لهم البيت! بل أجابهن ملا
وقيام الليل ،لم يقل لهم :أال ُت ِّ
أرادوا ،ثم طاف عليهن بالليل فأعطى كل واحدة درهما ىلع وعد بأال تخبر أحدا ،فلما اجتمعن من
الغد وسألنه من أحبنا إليك؟ قال :صاحبة الدرهم ،فظنت كل واحدة أنها هي.
واعجب أكثر من رجل مثله يأخذ زوجته يف رحلة خلوية ،يخرجان بعيدا عن الناس ويتسابقان،
فتسبقه ،ويف املرة الثانية –وهو يف التاسعة والخمسين من عمره -يخرج مرة أخرى معها يف رحلة
خلوية فيسبقها ،فيضحك ويقول :واحدة بواحدة .فتأمل كيف ينشغل بجهاد الكفار واملنافقين
وبخفض الجناح للمؤمنين وبتربية األمة والحكم والشرائع والوحي وقيام الليل ،ومع هذا ال يفوته
أمر كالخروج مع زوجته يف رحلة!!
ويف جلسة أخرى يجلس إلى زوجته فيحكي لها حكاية أم زرع ،وهي حكاية إحدى َ
عشر َة امرأ ًة
اجتمعن وحكين لبعضهن عن أحوال أزواجهن! فكأنما هي حكاية من إحدى َ
عشرة حلقة.
وهكذا كان رسول اهلل
يف كل شأنه.
الكفاءة اإلدارية للنبي
حين تبحث يف السيرة تجده ال يدير عمال إال ويخرج ىلع قمة ما يخرج عمل ىلع اإلطالق.
فلقد ظهرت الكفاءة اإلدارية للنبي
يف حياته كلها ،حتى يف وقائع صغيرة تدل عليها
بصورة جلية ،ففي غزوة األحزاب –مثال -تعامل مع فكرة الخندق التي لم تنبع منه هو ،بل أتاه بها
واحد من الناس ،فقبلها ونفذها بل جمع األمة كلها ىلع تنفيذها رغم أنها ليست فكرته .ثم انظر
كيف أدار النبي تنفيذ هذه الفكرة :لقد رسم املدينة أوال وضبط حدودها وحدد املكان الذي سيحفر
فيه الخندق ،كل هذا قبل أن تنطلق أول ضربة فأس ،وهنا يبدو الفارق بين عمل املحترفين املنظم
املخطط وبين عمل الدراويش املتعجل السطحي املتواكل ،بين من يريد أن يؤسس لإلسالم دولة
وبين من غايته حضور جلسات دعوية أو علمية فحسب.
27
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
لقد حدد النبي
تفاصيل الخندق :وقت الحفر والزمن الذي يستغرقه وأبعاده :طوله وعرضه
وعمقه ،وأين يذهب التراب الناتج عن الحفر ،والقوة البشرية التي ينبغي أن تعمل فيه :عددها
ومهماتها –إذ لن تعمل كلها يف الحفر ،وإنما بعضهم يف رفع التراب وبعضهم يف نقله -ومراحل
حفره ،وقسم الناس إلى مجموعات ،وحدد لكل منها نقاط البداية والنهاية ،وكان تقسيمه
للمجموعات ىلع أساس يحفزهم ىلع العمل ،بمعنى أنه تقسيم َق َبلي يعتمد ىلع إثارة التنافس
بين القبائل ،فال يضطر معه أن يستحثهم ألن التنافس يقوم بهذا الدور التحفيزي بطبيعته.
ثم بقي يف الناس من ليست له مجموعة ،مثل بالل –فهو حبشي ،واألحباش ندرة -وسلمان
الفارسي وصهيب الرومي ،وهؤالء ال عشيرة لهم ،فكان من حكمة النبي
أن رفعهم إلى سماء
الهمة حين جعلهم معه .انظر إليه وقد سأله الناس :يا رسول اهلل ،فمع من يكون سلمان؟ فيقول:
“سلمان م ّنا آل البيت” ،فإذا بهذا الصحابي الجليل يرتفع إلى درجة أنه يف الفرقة التي هي آل بيت
عبد ُيباع و ُيشترى وال عشيرة له إلى
رسول اهلل ،فتصور كيف رفعه النبي من حاله التي كان فيها ٍ
تصور بعد
أشرف األنساب ىلع اإلطالق ،وإلى الفرقة التي يقودها قائد األمة يف حفر الحندق! ثم
َّ
هذا كيف ستكون همته وطاقته يف العمل والبذل.
ُ
والك َّتاب يف سطر واحد أو عبارة واحدة :حفر الخندق.
كل هذه العملية يذكرها الخطباء
بينما ينبغي أن يتعلم املسلمون كيف أدار النبي
عملية حفر الخندق.
وثمة أمر آخر ال بد من لفت النظر إليه :أنتم تعلمون أن األطباء حين ُيجرون العملية الجراحية،
فإن الفريق الطبي الذي يساعد الجراح يقوم له باألعمال التحضيرية مثل :تجهيز األدوات وتعقيمها
وحلق شعر املريض وإلباسه الثوب املعقم ووضعه ىلع سرير الجراحة وتخديره وتجهيز الغرفة..
إلخ .هذه العمليات يسمونها “األعمال القذرة ،”Dirty Workألنها األعمال التي ال تحتاج إلى مهارة
الجراح العبقري الذي س ُيجري العملية الجراحية ،ولهذا ف ُيعهد بهذا ملن ما زال صغيرا يف مهنة
الطب أو لفريق التمريض وهكذا.
لقد حدث هذا يف حفر الخندق ،لقد رأى بعض الناس أن عملها أقل من عمل غيرها ،فالذين
يحملون التراب مثال أو يحضرون الفؤوس أو ما شابه رأوا أنهم يف رتبة أدنى ممن يحفرون الخندق،
فإذا برسول اهلل
يختار لنفسه عمال ضمن هذه األعمال التحضيرية ،ملاذا؟
28
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
ليجعل همة الذين يعملون يف هذه األعمال يف السماء ،فكان ُيرى سيد خلق اهلل
الذي قارب
ىلع الستين من عمره -وقد شابت بعض الشعر يف رأسه ولحيته -وهو يحمل هذا التراب ،يجلل
لحيته ورأسه ،وينقله بهذه الصورة.
ثم هو حاضر كذلك يف العمليات الصعبة ،فحين واجه الذين يحفرون صخرة ال تنكسر ،جاءوا
إليه ،وقالوا :يا رسول اهلل ،اعترضتنا صخرة فأقبل -وكان قوي البنية ال يماثله أحد يف قوته -ويقول:
اهلل أكبر ،ويضربها فتتفتت تحت يديه ،ثم هو بعد أن يؤدي املهمة الشاقة التي ال يستطيعها أحد،
يعود إلى عمله األول هذا.
حول عملية حفر الخندق
واملقصود من كل ما سبق –دون أن نطيل يف ذكر التفاصيل -أنه َّ
إلى عملية إيمانية تربوية من أىلع درجات اإليمان والتربية ،وىلع مثل هذا كانت سائر األعمال:
ففي الهجرة كان تخطيط النبي يدل ىلع رجل كفء يفهم الوضع جيدا ،يفهم جهات الشمال
َّ
سيتعقبه ،ويأتي
والجنوب ،ويسير إلى الجنوب يف حين هو يهدف إلى الشمال بغرض تضليل من
بمن ينقل األخبار ،ومن ُي ِّ
عفي ىلع آثار األقدام ،ومن يأتيه بالطعام ،وحين لم يجد من املسلمين
دليال يدله ىلع الطريق اختار واحدا من املشركين ولكنه يعرف صفته وأنه أمين يف عمله وإذا أخذ
رد األمانات لم يكن األمر –كما يظن الكثير -أنه فعل ذلك ملجرد أنه
أجره لم ُيفش الس ّر .وحتى يف ِّ
لردها إلى أصحابها قبل الهجرة بأيام ،ولكن لو أنه فعل ذلك لعرف
أمين ،فلو كان األمر مجرد األمانة َّ
الناس أنه يرد األمانات مما يشير إلى أنه بصدد عمل ضخم سوف يقدم عليه .لقد ر ّتب أمورا كثيرة:
الطريق والراحلة واألموال ومن يسبقه ومن يلحقه.
لم يكن األمر مجرد حضور الصلوات والدروس واملساجد ،ال ..بل كان النبي
يعرف أصحابه
حق املعرفة ،فيقول :فالن أقضاكم ،فالن أقرؤكم للقرآن ،فالن أعلمكم بالفرائض ،فالن سيف اهلل
املسلول ،فالن أسد اهلل ...وهكذا ،حتى يف اآلذان قال للرجل :انطلق به إلى بالل فإنه أندى منك
صوتا! إننا نعرف اآلن أن بالل بن رباح صاحب صوت حسن ألنه صار املؤذن ،لكنه قبل أن يكون مؤذنا،
من كان ينتبه إلى جمال صوته؟! من العجيب أن النبي
أحاط بأصوات أصحابه حتى انتبه إلى
وع ِّذب –مع غيره ممن عذبوا -ثم أعتقه أبو بكر
هذا العبد الحبشي الذي كانت كل قصته أنه أسلم ُ
ودخل يف زمرة املسلمين ضمن غيره ممن دخلوا .ثم يأتي من رأى يف منامه األذان فيحكي ذلك
29
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
لرسول اهلل
فيكون الرد :انطلق به إلى بالل فإنه أندى منك صو ًتا .أُقسم أني كنت يف منتهى
الحيرة والعجب لهذه اإلحاطة غير العادية بقدرات الصحابة ،وبهذا ارتفع رجل من كونه عبدا حبشيا
ربما ال يرى يف نفسه أي إضافة لألمة فيكون مؤذنا لألمة ،تأتي إلى املسجد ألذانه ،ألنه أندى الناس
صوتا!!
انظر يف مجلس العلم ،هل من داعية اآلن عنده هذه اإلحاطة بأصوات من يجلسون إليه
ويستمعون له؟ وال أنا! ال أعرف من بين عشرة من يكون منهم أجملهم صوتا!
وهو لعلمه بقدرات أصحابه يصرفهم إلى األمور التي يحسنونها ،فهذا يتعلم الفرائض (املواريث)،
وهذا يتعلم العلم ،وهذا يتعلم قراءة القرآن ،وهذا يروي الحديث ،وهذا يختص بالجهاد ،وينظر إلى
الغالم يف سن الثانية أو الثالثة عشر فيقول“ :اللهم فقهه يف الدين وعلمه التأويل” ،ويبعث
الداعية ل ُي ِّ
سم النبي قدرات األمة كلها.
علم الناس ،ثم يبعث القاضي ليقضي بينهم ،وهكذا َق َّ
وحين ازداد عدد املسلمين ودخل الناس يف دين اهلل أفواجا ،كان الناس الذين أسلموا
حديثا يتزاحمون عند رسول اهلل
رسول اهلل
،ويبكرون يف حضور الصالة واملجالس حتى يرقبون حركة
وينظرون يف أحواله :كيف يتكلم؟ كيف يسكن؟ كيف يتحرك؟ كيف يقول؟ كيف
يصلي؟ كيف يستسلم؟ كيف يغضب؟ ..وهكذا .وهذا التزاحم أمر طبيعي ،فلو ُبعث النبي
بيننا
اليوم لذهبنا إليه يف أي بلد ينزلها لنراه وننظر إليه ونتعلم منه.
لكن هنا حدثت أزمة ،لقد صار السابقون إلى اإلسالم يضطرون إلى الصالة خلف الصفوف األولى
لتزاحم الناس عليه ،وكذلك يف مجالس العلم والوعظ ،وهذا سيتسبب يف نقصان العلم :فأولئك
الذين رأوا السنين األولى من حياته لم يعودوا يرون أحواله يف السنين األخيرة لتزاحم الناس ،وهؤالء
الذين تزاحموا يرون النبي وسيرته وأحواله يف السنين األخيرة ولم يكونوا قد رأوا السنين األولى،
فمن هنا لن يكتمل العلم ألحد ،وسينقص نقل السنة وفهم أحوال النبي
أحواله كلها .فإذا برسول اهلل
والصورة العامة له يف
ومن أجل أن تنجح عملية تعليم الدين ألجيال املسلمين -يقول:
“ليليني منكم املهاجرون واألنصار” ،أي ليكن األقرب مني هم املهاجرون واألنصار ،ف ُتخلى لهم
الصفوف األولى ألنهم الذين شاهدوا الدين والعلم من أول األمر فينقلونه كامال .ولهذا فإن علماء
األصول يجعلون من أدلة التشريع :قول الصحابي ،ألنه الذي شاهد النبي
وعرف أحواله ،ولهذا
أيضا تجد من أئمة الفقه من يأخذ بعمل أهل املدينة ألنهم الذين الزموا النبي مدة طويلة –ليست
30
أقر بها النبي .
ساعات وال أياما وال شهورا -فانتشار أمر ما بينهم يدل ىلع أنه سنة َّ
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
هذا هو النبي
نفسه الذي كانت تأخذه امرأة ضعيفة العقل فتنطلق معه وتفضي إليه بأمر
من أمورها ،ويسلم ىلع الصبيان ويداعب الضعفاء ويلين مع الخدم والعبيد .فالذي ال يعرف عنه
سوى هذه الصورة سيتصور أنه إذا أقبل عليه أحد ليصلي يف الصف األول فال بد أنه سيرحب به
ويثني ىلع عمله ويحثه ىلع لزوم الصف األول .بينما واقع الحال غير هذا ،ألن الكفاءة اإلدارية تلزم
بأن يبعد هؤالء الناس ويأتي بالسابقين من املهاجرين واألنصار ليكونوا أقرب إليه .وهكذا لم تنقص
كفاءته اإلدارية من حب الناس له وال من حبه وقربه للناس.
يوجه أصحابه إلى سفر أو جهاد يجعل كل ثالثة يف ركب واحد ،هؤالء الثالثة
وكان إذا أراد أن ِّ
كانوا بمنزلة “الوحدة املتكاملة” ،فيجعل من بين الثالثة اثنين من امليسورين و ُيلحق بهما رجال
فقيرا ،فيجد الفقير يف سفره عمال يقوم به وهو أن يؤدي عمال لصاحبيه ،فيجد نفقته من أجره
الذي يأخذه منهما .وكان يجعل من بين الثالثة من هو ضعيف ومن هو قوي .ويختار الثالثة بين
املتحابين واملتآلفين ،فيجمع هذا التقسيم بين إطعام الفقير وراحة امليسور وزيادة الود والتآلف
فيرجعون أكثر حبا وتآلفا :شبع الجائع ُ
وخ ِدم الضعيف وتوثقت الصلة.
هذه الكفاءة اإلدارية أحاطت باألمة ،فإنه يعرف من يحيط به واحدا واحدا ،فال ُيخرجهم هكذا
كيفما اتفق ،بل يختار هذا مع هذا مع هذا ،بناء ىلع الفوارق االجتماعية واملادية والجسمانية،
فيستطيع أن ُيخرج لبنات وخاليا تجعل املجتمع أقوى مما كان.
إن الضعف الذي نحياه اآلن لم يكن ليشهده الصحابة ،ذلك أن الذي قادهم لم يكن رجال ساذجا
أو درويشا –حاشا هلل -يعتمد ىلع نزول الوحي دون مؤهالت ،ال ..بل كان يف كل صغيرة وكبيرة
ثالثة
يعرف كيف ُي َم ِّكنها ،وكيف ُي َم ِّكن لها ،وكيف يجعلها ُم ْح َكمة .إن هؤالء الصحابة إنما هم ثمرة
ٍ
وعشرين عاما من اإلحكام :اإلحكام اإلداري والتربوي ىلع أقل تقدير.
إن مشكلة األمة اإلسالمية اليوم تكمن يف هاتين الكلمتين :اإلدارة والتربية..
إنه ليس لدينا أزمة يف اإلخالص ،فإن الذي يدخل اليوم إلى املجتمع اإلسالمي عادة ما يكون
شديد اإلخالص ،إنما األزمة أنه يدخل بهذا اإلخالص ثم ال يجد عمال يتوفر فيه إحكام التربية وإحكام
َ
اإلدارة ،فيخمد ويكسل .فتنهار “عملية الصناعة اإلسالمية”.
31
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
الكفاءة الثقافية
وكانت لدى النبي
َ
قليل املعلومات،
كفاءة أخرى أحب أن أسميها “الكفاءة الثقافية” ،فلم يكن
بل ىلع العكس ،وإليك هذه الواقعة وهي من عيون الوقائع:
ملا أرسل النبي
رسائله إلى ملوك العجم بعد صلح الحديبية وتوقف الحرب بينه وبين قريش،
فأرسل لعظيم القبط يف مصر ،ولكسرى ملك الفرس ،وللقيصر هرقل ملك الروم ،ولكبير األحابيش.
وقد استغرب املحققون من كلمة يف رسالته لم يستعملها العرب أبدا ،وال ُيدرى أص ُلها ،وهي ضمن
س َلم ،أسلم يؤتك اهلل أجرك مرتين ،وإن لم تفعل
“أسِلم َت ْ
رسالته لهرقل ملك الروم التي جاء فيهاْ :
فإنما عليك إثم اإلرِيسيين” ،وإذا بحثت يف معاجم اللغة العربية ال تجد هذه الكلمة ،وأما علماء
الحديث فقد شرحوها بأنها تعني :العامة والشعب ،أي ُّ
الزَّراع والصناع والفالحين .وقال املحققون
مصطلحا ُي ْطَلق
بأن هذه الكلمة “اإلريسيين” هي كلمة رومانية ،ثم إن الروم كانوا يستخدمونها
ً
عدون يف املجتمع أغلبية كبيرة.
ىلع أصحاب املهن الحقيرة الصغيرة الذين كانوا ُي ُّ
والسؤال هنا :من أدرى رسول اهلل
وهو هذا األمي الذي ﻻ يقرأ وﻻ يكتب ويعيش يف
مصطلحا ىلع
مكة ،من أدراه بتشريح وتقسيم املجتمع الروماني ،وهذه الكلمة التي تطلق
ً
هؤالء؟
لقد أراد أن ينقل إلى ملك الروم –يف طيات هذه الرسالة -رسالة أخرى تقول“ :يا ملك الروم،
إن الذي يبعث إليك بهذه الرسالة ليس أعراب ًيا ِج ً
ّ
لفا قد جلس يف الصحراء داخل خيمة تظله راية
وحوله غنمات وكلب يحرسها ،ليس أعرابيا يرسل إليك رسالة عنجهية ،بل إنه يرسل إليك وهو يعرف
معنى الكلمة الرومية وداللتها يف التقسيم اﻻجتماعي لبالدك” .وقد كان هؤالء امللوك عادة إذا
تلقوا هذا ينفعلون ملثل هذا السر ولغيره.
وقس ىلع هذا علمه بلهجات العرب ،ومن ذلك أن رجال أتاه يسأله :أمن مبر مصيام يف مسفر؟
فقد كان الرجل من قبيلة ينطقون األلف والالم ميما ،فأجابه النبي
قائال :ليس من مبر مصيام
يف مسفر .وهو بهذا يجيبه مداعبا ومتألفا له.
32
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
يحدثه يف اإلسالم ويكثر من ذكر الكلمات
ويأتيه شاب هندي يتحدث إليه فإذا برسول اهلل
ِّ
الهندية يف هذا الكالم الذي يذكره له ألنه اشتغل بالتجارة مع هذه القبائل ملا كانت تقدم إلى
مكة وملا سافر هو خارج مكة رأى منهم فعلم وحفظ.
كان شخصية مثقفة ،ليست تلك الثقافة العابرة ،بل تستطيع أن تقول أنها :ثقافة كاملة .ولهذا
لم يكن رسول اهلل شخصية سهلة ،بل كان شخصية عميقة ،يستطيع أن يفهم ما يحيط به ،فإذا
صدر عن أمر صدر عن نفس ممتلئة بمكونات القوة.
الكفاءة السياسية
رئيس دولة يعرف جيدا ويزن جيدا الشخصية التي أمامه ،فنحن اآلن
لقد كان النبي
نرى تغير رئيس الوزراء اإلسرائيلي –مثال -فنجد أن سياسة هذا تختلف عن هذا رغم اتحادهما
يف اليهودية ويف الحرص ىلع مصالح دولتهم .لقد كان النبي
يدرك هذه الفوارق ويزن
الشخصيات؛ ففي صلح الحديبية جاءه أكثر من رسول من عند قريش ،أولهم :سهيل بن عمرو،
فما إن رآه النبي
حتى تبسم وقال :إنما أرادت قريش الصلح إذ أرسلت هذا ،وبناء ىلع هذا
يكون التفاوض معه.
وبعد سنتين فحسب من هذا املوقف أرسلت قريش أبا سفيان يف موقف آخر ،فكان
النبي
ىلع علم بأن أبا سفيان ليس كسهيل بن عمرو ،وأنه يحتاج لطريقة مختلفة فعهد
إلى واحد من الصحابة أن يقف به يف مكان بعينه ،ثم أمر كتائب الجيش أن تتجهز وتستعد
وتم ّر من املكان الذي يراها منه أبو سفيان .فيرى أبو سفيان الكتيبة فيسأل متعجبا من
قوتهم وكثرتهم :من هؤالء؟ فيقال له :هؤالء بنو فالن ،ثم التي بعدها فيسأل :ومن هؤالء؟
فيقال له :هؤالء بنو فالن ،وهكذا تمر به الكتائب فيزداد رهبة وهيبة ،حتى تمر به آخر
الكتائب وهي أكبرها وأقواها فيقول :من هؤالء؟ فيقال له :هذه كتيبة املهاجرين واألنصار.
فينهزم أبو سفيان معنويا ويقول للعباس بن عبد املطلب :لقد صار ملك ابن أخيك ملكا
عظيما ،فيقول :ليس بملك يا أبا سفيان ،وإنما هي نبوة .وبعد هذا دخل أبو سفيان ىلع
النبي بعد أن صار يف حال أخرى غير الحال التي جاء بها .ثم حين يدخل النبي مكة بعدئذ
يقول :ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
33
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وهذا يجعلنا نسأل اآلن الدعاة والشباب املسلمين :كم واحدا يعرف شخصية قائد الشرطة يف
حيه ،أو املحافظ ،أو ناظر املدرسة ،أو عميد الكلية ،أو عمدة القرية؟ كم واحدا يفهم الشخصيات
النافذة يف بلده ومكانه إلى الدرجة التي يستطيع فيها أن يتعامل معه وينجح يف ذلك؟!
هذا هو الدين ،وليس الفهم السطحي البسيط الذي يفهمه املسكين الذي يظن نفسه داعية
حين يذهب إلى أحدهم فيجبهه بالكالم ويقول“ :أُقيم عليه الحجة” ،لقد رأيت مرة من يذهب إلى
عمدة القرية ويقول له“ :قل ال إله إال اهلل ألنك تركت اإلسالم” ،فكان من الطبيعي أن يرد عليه الرجل
بقوله :هل ستعلمني اإلسالم؟!!” ويطرده وال يقبل منه.
يجب علينا أن نحسن التأسي برسول اهلل
،فلم يكن النبي
شخصا عاديا ،بل كان
يفقه ما يفعل وما يقول.
ولم تكن هذه الكفاءة السياسية مع عدوه فقط ،بل مع صحابته كذلك ،لقد كان النبي
يدير
رهق:
مجتمع املدينة ،وهو مجتمع معقد ُ
وم ِ
فهو منقسم بين األوس والخزرج ،وهما قبيلتان كانت بينهما عداوة ضاربة يف التاريخ وقتلى،
وكان الرجل من األوس يعرف الرجل من الخزرج ويتذكر أن أبا هذا قتل عمه ،وخال هذا قتل أباه ،وأخا
هذا ضرب أمه ..وهكذا! أي أن الرجل كان حين يرى اآلخر يراه متلبسا بدماء أهله التي سالت ىلع يد
هذا ويد قبيلته.
ثم هم مع ذلك يعيش بينهم اليهود ،وهؤالء اليهود هم الذين كانوا يؤججون العداوة والبغضاء
بينهم ،إذ إن مصلحة اليهود يف بقاء العداوة مشتعلة بين األوس والخزرج.
ثم ُيضاف إلى هذه التركيبة القبلية الصعبة :املهاجرون ،واملهاجرون أيضا كانوا منقسمين إلى
قبائل ،وقد كان بين هذه القبائل تنافس شديد ،يدل ىلع هذا قول أبي جهل :كنا وبنو عبد مناف
كفرسي رهان :أطعموا فأطعمنا وسقوا فسقينا حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا :منا نبي يأتيه
الوحي من السماء فأنى لنا هذا؟ ،فهذه هي القبائل التي جاء منها املهاجرون كان بينها حالة من
ُ
ُ
اح َد ًة}
التنافس الشديد .ثم ينزل األمر اإللهي ليجعل من هؤالء جسدا واحدا {إِ َّن َه ِذ ِه أ َّم ُت ُك ْم أ َّم ًة َو ِ
[األنبياء ،]92 :فكيف تمكن النبي أن يجعل كل هذا بين يديه كرئيس للدولة؟!
34
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وهذا يجعلنا نسأل اآلن الدعاة والشباب املسلمين :كم واحدا يعرف شخصية قائد الشرطة يف
حيه ،أو املحافظ ،أو ناظر املدرسة ،أو عميد الكلية ،أو عمدة القرية؟ كم واحدا يفهم الشخصيات
النافذة يف بلده ومكانه إلى الدرجة التي يستطيع فيها أن يتعامل معه وينجح يف ذلك؟!
هذا هو الدين ،وليس الفهم السطحي البسيط الذي يفهمه املسكين الذي يظن نفسه داعية
حين يذهب إلى أحدهم فيجبهه بالكالم ويقول“ :أُقيم عليه الحجة” ،لقد رأيت مرة من يذهب إلى
عمدة القرية ويقول له“ :قل ال إله إال اهلل ألنك تركت اإلسالم” ،فكان من الطبيعي أن يرد عليه الرجل
بقوله :هل ستعلمني اإلسالم؟!!” ويطرده وال يقبل منه.
يجب علينا أن نحسن التأسي برسول اهلل ،فلم يكن النبي
شخصا عاديا ،بل كان يفقه
ما يفعل وما يقول.
ولم تكن هذه الكفاءة السياسية مع عدوه فقط ،بل مع صحابته كذلك ،لقد كان النبي
يدير
رهق:
مجتمع املدينة ،وهو مجتمع معقد ُ
وم ِ
فهو منقسم بين األوس والخزرج ،وهما قبيلتان كانت بينهما عداوة ضاربة يف التاريخ وقتلى،
وكان الرجل من األوس يعرف الرجل من الخزرج ويتذكر أن أبا هذا قتل عمه ،وخال هذا قتل أباه ،وأخا
هذا ضرب أمه ..وهكذا! أي أن الرجل كان حين يرى اآلخر يراه متلبسا بدماء أهله التي سالت ىلع يد
هذا ويد قبيلته.
ثم هم مع ذلك يعيش بينهم اليهود ،وهؤالء اليهود هم الذين كانوا يؤججون العداوة والبغضاء
بينهم ،إذ إن مصلحة اليهود يف بقاء العداوة مشتعلة بين األوس والخزرج.
ثم ُيضاف إلى هذه التركيبة القبلية الصعبة :املهاجرون ،واملهاجرون أيضا كانوا منقسمين إلى
قبائل ،وقد كان بين هذه القبائل تنافس شديد ،يدل ىلع هذا قول أبي جهل :كنا وبنو عبد مناف
كفرسي رهان :أطعموا فأطعمنا وسقوا فسقينا حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا :منا نبي يأتيه
الوحي من السماء فأنى لنا هذا؟ ،فهذه هي القبائل التي جاء منها املهاجرون كان بينها حالة من
ُ
ُ
اح َد ًة}
التنافس الشديد .ثم ينزل األمر اإللهي ليجعل من هؤالء جسدا واحدا {إِ َّن َه ِذ ِه أ َّم ُت ُك ْم أ َّم ًة َو ِ
[األنبياء ،]92 :فكيف تمكن النبي أن يجعل كل هذا بين يديه كرئيس للدولة؟!
35
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
لقد بدا هذا أول مرة يف غزوة بدر ،حين أفلت العير وصارت املسألة حربا ،فقال لهم :أشيروا علي
أيها الناس ،فيقوم أبو بكر ويتكلم ،فيقول النبي :أشيروا علي أيها الناس ،فيقوم عمر بن الخطاب
ويتكلم ،فيقول مرة أخرى :أشيروا علي أيها الناس (. )2
وفيما بعد ،أخرج النبي
ّ
ولكن
من املدينة بني قينقاع –وهم فرع من اليهود -وبني قريظة،
نحو ال يشبه اآلخر ،فأما بنو قينقاع فخرجوا ولهم الحق يف أن يخرج الواحد
كال منهما خرج ىلع ٍ
منهم بأهله وما يستطيع أن يحمله من ماله ومتاعه ،ومالم يستطع حمله فهو للمسلمين .ألن
العقوبة كانت :الجالء عن املدينة فحسب .وقد كان بنو قينقاع هؤالء يف الجاهلية حلفا ًء للخزرج.
وأما بنو قريظة فقد نقضوا العهد يف وقت غزوة األحزاب ،فحاصرهم النبي
حتى نزلوا ىلع
جميعا وأصبحوا تحت يديه ،وهو اآلن يوشك أن يحكم يف هؤالء الخائنين.
حكمه فأسرهم
ً
لكن هؤالء كانوا يف الجاهلية حلفاء لألوس ،وهنا قد يسري يف أوساط األوس قول يقول :ترى
ماذا سيفعل يف حلفائنا؟ هل ستكون عقوبتهم كعقوبة حلفاء الخزرج؟ أم ألن الخزرج أكثر عددا
فسيكون لحلفائهم ما ال يكون لحلفائنا؟ وقد تسري رغبة تقول :فليكن لهم ذات العقوبة التي
كانت لحلفاء الخزرج ،فال يكون ألحد علو ىلع أحد.
انظر إلى رسول اهلل
،الرفيق السمح السهل ،لم يواجه هذه الرغبة بالغلظة وال بالعنف وال
بالقول :أنا صاحب الحكم وهذا وحي من عند اهلل فال شأن ألحد به ،بل انظر كيف وازن النبي
بين األمرين؛ األول :أنه ال يلين يف الحق ،وهؤالء وجبت عليهم عقوبة الخيانة ،فما كان له أن يعفو
عنهم ألجل خاطر ألحد ،والثاني :أنه يعرف أصحابه جيدا ،ويعرف ما قد يدور يف صدورهم ،وحرج
املوقف الذي هو من الرواسب القديمة للتنافس بين األوس والخزرج .فماذا فعل؟
( )2هنا انقطاع يف التسجيل ،ولكن ُيتوقع أن الشيخ مضى ليذكر أن النبي لم يكتف برأي املهاجرين وإنما اهتم برأي األنصار
ليكونوا هم من أصحاب القرار وصناعه ،وأنهم مع املهاجرين أمة واحدة ال يستأثر املهاجرون دونهم بشيء وليسوا حكاما عليهم
بل إخوانا لهم وشركاء يف ما ينزل بهم.
36
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
لقد ترك
الحكم يف املسألة ،وجعل الحكم يف هؤالء لهم أنفسهم ،فقال لهم :أما ترضون أن
يحكم فيهم رجل منكم :سعد بن معاذ؟ وسعد هو زعيم األوس أنفسهم ،قالوا :بلى يا رسول اهلل،
رضينا .وبهذا ُح َّلت املسألة عندهم ألن الحكم فيهم صار لزعيمهم نفسه ،وهو أكثر من يمكن أن
تلحقه “اإلهانة” من أن ُي َ
عاقب حلفاؤه بأكثر مما عوقب به حلفاء الخزرج .فلما جاء سعد بن معاذ
صار بعض الناس يهمس إليه :أحسن يف مواليك يا أبا عبد اهلل ..أحسن يف مواليك يا أبا عبد اهلل،
فقال سعد –وكان َج ْه َوري الصوت“ -لقد آن لسعد بن معاذ أال تأخذه يف اهلل لومة ﻻئم” ،ثم قال:
يا رسول اهلل ،دعوتني ألحكم يف هؤالء؟ قال :نعم .قال :قال :أحكم فيهم أن يق ّتل رجالهم ،وأن
ُتسبى نساؤهم وذراريهم ،وأن تكون أموالهم غنيمة للمسلمين لقا َء أو جزاء ما خانوا املسلمين يف
حرب بين اهلل ورسوله وعدوهم” ،فسعد النبي –هذا الكفء العظيم -وقال له “أما لقد حكمت فيهم
بحكم اهلل من فوق سبع سماوات” .وبهذا انتهت املشكلة دون أن يستشعر األوس حرجا أو غضبا،
بل خرجوا وهم يفتخرون بأن حكم سيدهم وافق حكم اهلل من فوق سبع سماوات!
إن األمور ال تجري بالدروشة والتواكل وأخذ األمور ىلع عواهنها ،ال! بل كان النبي شخصية فقيهة
فاهمة مدركة لألوضاع والظروف.
الكفاءة االجتماعية
كيف كان النبي
يرفع الحرج عن أصحابه أو يؤلف بينهم؟
إن السيرة حافلة باملشكالت التي استطاع النبي
حنين“ :وجد رسول اهلل
أن يحتويها ،مثلما قال األنصار مرة بعد غزوة
أهله” ،لكن ال بأس بذكر واقعة فردية لكي ال نخلط بين الكفاءة السياسية
والكفاءة االجتماعية.
بينما كان الرسول
جالسا بين أصحابه ،إذ انتقض وضوء واحد منهم ،وكان هؤالء الجالسون
(ج َمل) ،وهنا وقع الرجل يف حرج ،فلقد أوشكت الصالة ،ولئن قام يتوضأ
جميعا قد أكلوا لحم جزور َ
فس ُيعرف أنه هو (الذي خرج منه ريح) ،وهو إذا لم يقم فلن يستطيع الصالة ،ولئن صلى فلقد خان
اهلل ورسوله لصالته بغير وضوء.
ماذا فعل رسول اهلل
لرفع الحرج عنه؟
37
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
لقد أقام
الجالسين ليتوضأوا ،وقال“ :من أكل لحم جزور فليتوضأ” ،فقام الناس جميعا
كل
ِ
للوضوء فرفع الحرج عن الرجل.
وكانت له أموٌر عجيبة يف مواساة الناس ،حتى عند املوت وحال بكاء األهل ىلع صاحبهم،
وأنقذ قريشا من االقتتال يف مسألة الحجر األسود قبل بعثته حين كان عمره 35سنة ،ورفض أن
يسابق قافلة من القوافل فيسبق بالتجارة ثم كان أربح منها بكثير.
الكفاءة العسكرية
كذلك تتجلى كفاءته العسكرية يف أمور كثيرة ،منها أنه كان يعرف عدد الجيش من عدد الذبائح
التي يذبحها يوميا ،ويعرف نوع اإلبل وقبيلتها من روث هذه اإلبل ،ويعرف إن كانت هذه اإلبل جيشا
أم قافلة ،ىلع تفصيل كثير.
لم يكن شخصية خامدة وﻻ خاملة ،بل شخصية مدركة..
كيف استطاع يف غزوة األحزاب أن يستفيد بواقعة إسالم مسلم جديد هو نعيم بن مسعود،
الذي ملا حضر إلى النبي
قال له النبي
“إنما أنت فينا رجل” أي :لن تزيدنا ولن تؤثر ،لكنك
ّ
“فخذل عنا ما استطعت” ،فيذهب إلى اليهود وإلى األحزاب حزبا حزبا حتى
لست معروفا باإلسالم
استطاع نعيم بن مسعود وحده –بهذه الخطة التي وجهه إليها النبي -أن يصنع خدعة –والحرب
خدعة -شتت بها األحزاب يف أرض الجزيرة العربية يف الصحراء ،فلو أنك نظرت إلى هذه األحزاب
املجتمعة يف حصار املدينة بعد عشرة أيام من إرسال النبي لنعيم بن مسعود لوجدتهم متناثرين
يف جزيرة العرب ،فهذا هنا وهذا هناك وهؤالء بينهم وبين بعضهم ِنزاع واليهود قد صاروا يف
قبضته وانتهت املحنة!
كيف استطاع
أن يفعل هذا؟ ذلك أنه يعرف اليهود جيدا ،ويعرف القبائل جيدا ،ويعرف
شخصيات زعمائها ،ويعرف كيف يدير الحرب.
وهو مع ذلك يف منتهى الصدق ..ويبدو هذا كأوضح ما يكون يف قصة عبد اهلل بن سعد بن أبي
ارتد فلما فتح النبي مكة أعلن أنه ضمن من ُيقتلوا إذا عثر عليهم
السرح ،فلقد كان ممن أسلم ثم َّ
38
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
حتى لو تعلق بأستار الكعبة ،لكن الرجل كان أخا لعثمان بن عفان يف الرضاعة فلما جلس النبي
ألخذ البيعة ممن أسلم من أهل مكة ،جاء عثمان به ليسلم رجاء أن يعفو عنه رسول اهلل ،فلما
أقل عليه صار النبي
يشيح بوجهه عنه وال يكلمه ،فظل عبد اهلل بن سعد يأتيه من اليمين
والشمال والنبي يشيح عنه ،حتى قبل النبي منه وبايعه .ثم أقبل النبي
ىلع أصحابه فقال:
“أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟” ،قالوا :ما ندري
يا رسول اهلل ما يف نفسك ،أال أومأت إلينا بعينك؟ ،قال“ :إنه ال ينبغي لنبي أن تكون له خائنة
األعين”.
كان
صادقا ،وال يقبل األسلوب املائع أو امللتوي ،لكنه يف ذات الوقت ليس الساذج
بالخب وال الخب يخدعني.
الذي ُيخدع بل هو كما قيل :لست ِ
فإذا كان رسول اهلل
بكفاءته قد استطاع تشتيت شمل هذه األحزاب املجرمة وهذه العصابات
اآلثمة التي اجتمعت عليه من الشرق والغرب لقتل اإلسالم والقضاء عليه ،فيستطيع بكفاءة الرئيس
والقائد والزعيم أن يجعلهم يف أيام متناثرين يف جزيرة العرب ،قد عادوا فئات مشرذمة ..إذا كان
رسول اهلل
استطاع هذا بكفاءته فليس معنى هذا أنه مخادع ،بل ىلع العكس ،إذ عندما كان
األمر يتعلق بشخص واحد لم يرض أن تكون له خائنة أعين.
إنها شخصية مكتملة اﻻستقامة ،ليست ساذجة وال خاملة ،ليس ضعيفا ،وإنما تمتلئ عمقا
وفقها وثقافة وإداركــا وعلما وكفاءة ،وهذه هي الشخصية مكتملة الكفاءة وفيها الخصائص
وامللكات املطلوبة :صبور ،قوي ،محبوب ،محبب إلى الناس ،فيه الخلق القويم ،وفيه العبادة
الصافية الصحيحة ،عابد ،ىلع خلق عظيم ،ىلع كفاءة عالية سامية.
هذه هي شخصية رسول اهلل التي جمعت املتقابالت ،تجد لديه الشجاعة والحياء ،عنده الهيبة
التي يرتعش لها من يلقاه وعنده التواضع الجم ،وهكذا.
حكمة الداعية
لعله يبدو اآلن من هذا الكالم السابق أن النبي
شخصية وافرة الدقة عظيمة التنظيم إلى
الحد الذي ال يكون فيه لالعتبارات األخرى أي مجال ..وهذه أيضا صورة منقوصة وغير صحيحة ،ذلك
أن النبي كان صاحب حكمة ُت ْغري بالتوقف عندها.
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
39
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
لقد تحدثنا عن أخالقه العليا
ثم عن كفاءته الكاملة كي ال يتوهم أحد أن سمو األخالق يذهب
حد ربما يستجلب الخوف والخشية من هذه الشخصية صاحب
بالكفاءة ،ثم تحدثنا عن كفاءته إلى ٍّ
القوى العقلية ،واآلن نتحدث عن حكمته لنرى كيف أن هذه الحكمة كانت ُتِر ِّ
طب األمور وتخرجها
أحسن مخرج.
فمن العجيب أنه ،وهو الذي منع النساء من اتباع الجنائز صارخات ،وجد يوما امرأة تسير خلف جنازة
زوجها صارخة نادبة ،فلم ينهها ،وإنما حاول أن يصبرها ويواسيها ،فصاحت يف وجهه –ولم تكن
ب بمصيبتي” ،ثم قيل لها هذا رسول اهلل
صْ
تعرفه -وقالت“ :إليك عني يا هذا ،فإنك لم ُت َ
املرأة جزعة ىلع عقيدتها أن تكون قد أساءت إلى الرسول
،فقامت
وأسرعت وراءه تعتذر إليه ،وأنها لم
تكن تعرفه .فترك إساءتها إليه ،وترك لهفتها ىلع أنها أساءت إليه وهو رسول اهلل
،وأراد -يف
هذه اللحظة التي هي مفتحة الحواس فيها ومنتبهة إلى قوله وترتقبه -أن يعود بها إلى القضية
األولى ،فقال“ :إنما الصبر عند الصدمة األولى” ،أي أن هذا هو وقت الصبر ،وأدى إليها هذا املعنى
يف لحظة انتباهتها وترقبها.
وذات مرة رأى امرأة أخرى تصرخ وتندب خلف جنازة ،فأقبل عليها عمر بن الخطاب ُي ِّ
عنفها ،فقال
له النبي “دعها يا عمر ،فإن املصاب جلل والخطب قريب” .فبرغم أنه النبي
الذي نهى عن سير
النساء خلف الجنازة ،إال أنه نهى عن أسلوب الشدة ،وإنما يحتاج األمر إلى حكمة من الداعية.
لقد كانت حكمة النبي
حاضرة دائما يف تحركه ،ولنضرب مثاال ىلع هذا بقصة الكعبة..
إن الكعبة بناء صغير ،غرفة مسقوفة ،ويف إحدى جهاتها بناء صغير ىلع هيئة نصف دائرة
يسمى “حجر إسماعيل” –وهو املكان الذي ُحضن فيه إسماعيل عليه السالم -وهذا الجزء هو جزء
من الكعبة ،وكانت الكعبة قديما تشمله ..فكيف وملاذا صغرت الكعبة عن حجمها األصلي؟
كان ذلك عندما أعاد العرب بناء الكعبة ،وكانوا يعظمونها ،فاشترطوا ىلع أنفسهم أال يدخلوا
مال ربا أو من تجارة الخمر أو من تجارة الدعارة أو ٌ
يف بنائها ماال حراما ،فال يدخل فيه ُ
مال مغصوب
أو مسروق .وتأمل هنا كيف يشهد الناس ىلع أنفسهم ويعترفون بانتشار الحرام يف أموالهم :من
السرقة والغصب والربا والخمر والزنا ،ويتواصون أال يدخل هذا الحرام يف بناء الكعبة!! وتأمل أيضا يف
هذا املجتمع املنهزم من داخله ،هذا املجتمع الذي سيواجه بعد أعوام دعوة محمد وهم يعرفون
40
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
يوجه القول لصاحب بيوت الزنا :ال ُتدخل يف الكعبة
أنهم ىلع الباطل .تأمل يف صورة مجتمع ِّ
شيئا من مال هذه البيوت ،أو يقول آلخر :ال تدخل شيئا من املال الذي سرقته يف الكعبة ،أو يقول
آلخر :ال تدخل مال الخمر يف الكعبة!!
ثم تأمل كيف أن كل هؤالء العرب لم يستطيعوا بأموالهم الحالل أن يبنوا بناء بسيطا مثل
تكف إلكمال بنائها بمجرد الحجر من غير زينة وال زخرفة وال أثاث،
الكعبة ،إن كل أموالهم الحالل لم ِ
فاضطروا إلى أن يأخذوا من مساحة الكعبة ،ثم جعلوا حدا وحيزا ىلع هذا املكان الذي هو”حجر
إسماعيل”.
واستقر بناء الكعبة ىلع هذا الحال ،وكان متوقعا أن يكون أول ما يفعله النبي
أن يعيد
بناء الكعبة ىلع وضعها األصيل ،ىلع قواعد إبراهيم ،فهل فعل؟!
لقد ظل النبي
يف مكة 13عاما يف شدة واضطهاد ،ثم ظل ثماني سنوات ممنوعا من زيارة
الكعبة ،ولم يرها إال ثالثة أيام أثناء عمرة القضاء (يف العام السابع للهجرة) ،تطبيقا لصلح الحديبية،
وكانت قريش قد أخلت مكة وخرج رجالها ىلع رؤوس الجبال ينتظرون خروجه ،ويف هذه العمرة
طاف النبي
بالكعبة وما يزال حولها ثالثمائة وستون صنما ،ثم فتح مكة يف العام الثامن للهجرة
(أي بعد واحد وعشرين سنة من البعثة) فحطم األصنام ولك ّنه لم ُي ِعد بناء الكعبة ،ولم يبق إال
عامان ىلع وفاته ،فأرسل أبا بكر أمي ًرا ىلع الحج يف العام األول ليمنع أن يطوف بالبيت مشرك
وحج مرة وحيدة يف حياته ،قبل وفاته
أو عريان،
َّ
بثالثة أشهر ،فلما طاف بالكعبة كانت الكعبة
ىلع هيئتها ذاتها ،وكان يستطيع معه عشرة آالف أن يهدمها ويبنيها ىلع قواعد إبراهيم.
ص َّور أحدنا نفسه داخال بعد كل هذه السنين ،وقد استطعنا أن نقهر أعداءنا وأن
ولو َت َ
اط َ
نتمكن من األمر ،ونحن نهتف { َو ُق ْل َجا َء ا ْل َح ُّ
ق َوَز َه َ
ان َز ُه ً
ل َك َ
وقا}
اط ُل إِ َّن ا ْل َب ِ
ق ا ْل َب ِ
[اإلسراء ]81 :ملا تردد يف أن يفعل هذا.
لكنه إنما يعلم أنه دخل ىلع قوم -وإن كانوا قد أسلموا ودخلوا يف دين اهلل أفواجا -إال أنهم ما
يزالون بعد حديثو عهد باإلسالم ،حديثو عهد بجاهلية ،فقال لعائشة“ :لوال أن قومك حديثو عهد
له َد ُ
مت الكعبة وبنيتها ىلع قواعد إبراهيم” ،فانظر كيف هدم األصنام ومنع أن يطوف
بجاهلية َ
بالكعبة عريان وكيف كان يستطيع أن يهدم الكعبة ويعيد بنائها ،لكنه فعل األولى والثانية ولم
يفعل الثالثة ألن ثمة شيئا يف الدين ويف الدعوة اإلسالمية -ويف خطها وسيرها -اسمه الحكمة.
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
41
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
الحكمة التي راعى بها قلوب الناس ،حتى بعد أن ّ
تمكن منهم وانتصر عليهم ،ألن القلوب قد
تتغير وتهتز لهذا األمر.
الحكمة التي جمعت له الناس تحت جناحه ،وهو الذي بدأ دعوته وهو ُيضرب بالحجارة و ُترمى
عليه القاذورات واألوساخ ،فانتهى والناس جميعا ال تعامله ،بل ال تكلمه وال تخاطبه خطاب الناس
بعضهم لبعض.
مع حاطب بن أبي بلتعة ،ومع أبي سفيان ،ومع عكرمة
ولو استطردنا فتحدثنا عن مواقفه
بن أبي جهل ،بل ومع عبد اهلل بن أُبي ابن سلول -رأس النفاق -إذ يقول فيه“ :ﻻ يتحدث الناس
أن محمدا يقتل أصحابه ولكن ُنحسن صحبته ما صاحبنا” ،وغيرها ..ألدركنا كيف كان هذا النبي يزن
األمور بحكمة وعقل ﻻ تغلبه بسبب الكفاءة.
إنه
رجل كفء يف الجانب العسكري ،نجح وانتصر ،لكن ثمة نضج وعقل وحكمة يف
تصرف يستطيع املسلم به أن يصل باألمور إلى منتهاها .ونحن إذ وقفنا مع كفاءته وخلقه
فكان ال بد أن نقف أيضا مع موفور عقله وحكمته ،فندرك كيف كان ذا حكمة وكيف كان ذا
عقل بالغ!
ُ
الخ ُلق مادة اإلسالم وقوام الدعوة
وال ينبغي أن يشغلنا هذا كله عن الخلق الذي تميز به محمد
،والذي قال اهلل فيه وهو
يخاطبه { َوإ َّن َ
يم} [القلم ،]4 :فإن مادة اإلسالم تذوب جميعا يف الخلق ،فجوهر
ق َع ِ
ك لَ َعَلى ُخ ُل ٍ
ظ ٍ
ِ
اإلسالم –بعد العقيدة -هو الخلق؛ تذوب فيه العقيدة والشريعة ،هو القوام الذي يحتوي كل هذا.
ت َف ًّ
ظا َغِل َ
وانظر وتأمل يف قول اهلل تعالى َ
ت لَ ُه ْم َولَو ُك ْن َ
الل لِ ْن َ
ب
{ف ِب َما َر ْح َم ٍة ِم َن َّ ِ
يظ اْل َق ْل ِ
ضوا ِم ْن َح ْولِ َ
َل ْن َف ُّ
ك} [آل عمران ،]159 :فكأنه سبحانه وتعالى يقول :مهما كان الدين دين اهلل ،وكان
الذي يتحدث به هو سيد خلق اهلل رسول اهلل
،والكتاب كتاب اهلل ،والكالم كالم اهلل ،والعباد عباد
ت َف ًّ
اهلل ،واألرض أرض اهلل ..مهما اجتمع ذلك كله فإنك لو ُ
ظا َغِل َ
ضوا ِم ْن َح ْولِ َ
ب َل ْن َف ُّ
{ك ْن َ
ك}.
يظ اْل َق ْل ِ
42
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
فال سالمة العقيدة ،وﻻ كونها دين اهلل ،وﻻ كونها مرسلة مع رسول اهلل
..إلخ،
بعاصمة من تفرق الناس عن الدين إذا لم يكن الخلق حسنا.
ولذلك ،فأحيانا ما يقابل املرء إنسانا يظهر منه حسن الحال ،ويراه الناس هكذا ويثنون
عليه ،لكن يبقى يف الصدر حرج منه ،ال تستطيع أن تطمئن إليه أو أن تضعه يف املنزلة
العالية التي يبدو أنه مستحق لها ،مع أنك إذا نظرت إلى عالقاته مع أصحابه وإخوانه تجدها
ممتازة .ثم أدركت ملاذا.
َّ
املحك الحقيقي ملعرفة اإلنسان هو أن تراقبه وتختبر عالقاته مع من يخالفهم
إن
ويشاجرهم وإن كانوا ىلع الباطل ،سينكشف لك عادة أنه ضعيف الخلق ،فتراه بذيئا ،أو
سن
عنيفا ،تراه إذا خاصم فجر! فتدرك ساعتها أن ما يظهر عليه من ُح ْ
سن الخلق ليس ألنه َح َ
الخلق ،وإنما ألنك تراه يف املوضع الذي ىلع هواه ،يف البيئة التي تريحه ،أو أنه يف بيئته
تلك يتصنع حسن الخلق ملا يجد نفسه فيه من حرج أو خجل أو اضطرار .لكن اختبار حسن
الخلق يظهر حين يختبر يف الخالف .ولهذا قال النبي يف آيات املنافق“ :إذا خاصم فجر”،
واد (أي :وادد ،كانت فيه مودة) فهو لطيف وظريف.
وكأنه يقول :إذا َّ
لقد كانت ُت ِّ
نظف مسجد رسول اهلل
امرأ ٌة عجوز سوداء ،سفعاء الخدين ،نحيفة ،وذات
َّ
ودفناها”.
يوم سأل النبي :أين فالنة؟ فقالوا :ماتت باألمس
إنها امرأة فقيرة ،ال مال وال جمال ،ال ُت ْذ َكر ،وال َينتبه لها أحد ،ثم هي يوم تغيب تلفت نظر
النبي ،ألنه ال يهتم لكبار القوم فحسب.
وهنا ينبغي أن ننتبه ،فأنت إذا كنت –مثال -مدير شركة ،أو وزيرا ،أو موظفا كبيرا ..إلخ،
قدر وقتهم بالقيمة واملال ،ثم جاءك من يقول لك :أريدك يف موضوع مهم
هؤالء الذين ُي َّ
للغاية ،حالة عزاء ضرورية! فتسأله :من؟ فيقول :من يكنس الشارع ،أو قال :ذلك الشحاذ
املتسول ىلع أول الطريق ،فاملتوقع أن ترد مستنكرا :يا رجل ،أأترك عملي لهذا؟!
43
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وقد كانت املرأة هكذا ،كانت ﻻ أحد لها ،وقد ماتت ودفنت ،أي أنه قد انتهى األمر.
وإذا برسول اهلل
يغضب ويقولّ :
فهل آذنتموني؟ دلوني ىلع قبرها .ومشى النبي إلى قبرها
يف أطراف املدينة ،فصلى ىلع قبرها ودعا لها ،وظل واقفا عنده وقتا ال يقفه عند قبر آخر حتى
ينصرف.
هذا هو النبي
ا ُ
مل َّ
كلف بمجاهدة الكفار واملنافقين ،والحكم بما أنزل اهلل ،والبالغ
برسالة اهلل ..إذا به يقف ىلع قبر امرأة سوداء ،ضعيفة ،سفعاء الخدين ،تكنس ،ال ُيؤبه لها
ود ِف َن ْ
ت وانتهت املناسبة!! فهكذا كان الخلق عنده.
وﻻ ُيلتفت إليها ،وماتت ُ
من املؤسف ّ
أحدنا إذا كان امليت بسيط الحال لم يذهب ،أو لم يذهب بنفسه وأرسل ولده بدال
أن َ
منه ،أو اكتفى ببرقية ،فلماذا يا أخي؟ ملاذا وهذا رسول اهلل
وهو أرفع الناس قد ع ّلمنا وهدانا
وأعطانا هذا النموذج وهذه القدوة.
إنها الرحمة التي ُفطر عليها وأُودعت قلبه ،وهي أمر ال شرط عليه ،فليس ألحد أن يقول :سأرحم
الناس حين أصير غنيا ،بل قال اهلل تعالى يف الحديث ُ
الق ْدسي“ :إنما أتقبل الصالة ممن تواضع بها
مصرا ىلع معصيتي ،وقطع نهاره يف ذكري ،ورحم
لعظمتي ،ولم يستطل ىلع خلقي ،ولم يكن
ًّ
األرملة واملسكين وابن السبيل ،ورحم املصاب”.
ملصاب صدمته سيارة –مثال -فيسعفه أو يحمله إلى
ومن املنكر يف أيامنا هذه أال يقف املرء
ٍ
املستشفى لخشيته من أن يتورط يف أمره ،هذا غياب للرحمة ،ومن ﻻ َيرحم ﻻ ُيرحم ،إنما يرحم اهلل
من عباده الرحماء .بل احمله إلى املستشفى واعتن لحاله رحمة منك ،ثم لتنظر يف شأن املشكلة
–إن كان ثمة مشكلة -أما أن تبيع اﻵخرة –التي ثمنها هذه الرحمة -لتشتري سالمة ليلة فهذا ما ال
ُيقبل! ثم –وىلع أسوأ الفروض -أن قد أصابك يف هذا بالء ،فما أيسره إذا كانت الجنة يف املقابل.
انتبهوا ،واجعلوا رقابة اهلل علينا أعظم من رقابة أي شيء ،فإن أراد اهلل منك أن ترحم املصاب
فلترحم املصاب ،وهكذا كانت رحمة النبي
.
44
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
ومما يلفت النظر يف أخالق النبي
أنه كان يثير ويبتكر أمورا ليسعد بها من حوله ،أو
ليكفيهم نوع مشقة أو ليرفع عنهم حرجا .فقد استأذنت السيدة عائشة يوما لحضور زواج فتاة
من األنصار ،فلما عادت –وهي سعيدة ولم يشعر أحد بنقص -ابتدأها رسول اهلل بقوله :ماذا
قوم يعجبهم اللهو .فقالت :يا رسول اهلل ،ما فعلنا شي ًئا،
كان معهم من لهو؟ فإن األنصار ٌ
وماذا ك ّنا نفعل؟ فقال لهاّ :
هل بعثتم معها من يغ ّني لها؟ فقالت له :يا رسول اهلل
،ماذا ك ّنا
نقول؟ فإذا به يقول لها :كنتم تقولون:
أتيناكـــم أتينـــاكم ..فح ّيونـــا نحييكــم
س ِم َنت عذاريكم
ولوال الحنطة السمراء ..ما َ
ولــوال الذهب األصفـر ..مـا حـ ّلت بواديكم
أتينـــاكم أتينـــاكم ..فحيانــــا وح ّياكــم
إن إسعاد العروسين بزواجهما مطلب شرعي ،وال عالقة لهذا بما ُيرتكب من مخالفات
كاالختالط والعبارات غير املنضبطة شرعا أو وجود املوسيقى التي يرى جمهور العلماء فيها
رأيهم ..إلخ.
وال يعني هذا أن يتمسك اإلخوة بهذه األغنية وحدها ،إنما هي اقتراح منه
مثاال ،وإنما
السنة يف األفراح أن تؤلفوا األناشيد واألغاني ذات املعاني البسيطة ا ُ
الحلوة،
س ِعدة ُ
مل ْ
وباللغة العامية كي يفرح الناس ويتجاوبون معها.
لكن العجب أن النبي
داع إليه ،فلم يكن هذا نتيجة لنزاع
هو الذي ُيثير األمر ابتدا ًء بغير ٍ
أو اختالف رأي حول الغناء أو الفرح فتدخل النبي لحل اإلشكال ،وإنما ابتدأ هو بما ُيسعد الناس
ويس ّرهم ويف ّرحهم.
وملا تزوج صحابي قال له النبي
ّ
“هل ِب ْك ًرا تالعبها وتالعبك؟” ،فهو هنا يثير األمر ابتدا ًء ،أمر
الخفة واملالعبة والبساطة يف الحياة الزوجيةُ ،يثيرها ابتدا ًء والناس غافلة عنها .يثيرها بهذه
البساطة ،فمن الحسن أن ُتشيع السعادة يف الناس ،وملا تكلم عن اﻻبتسام كان يقول
“تبسمك
:
ّ
يف وجه أخيك صدقة” ،فهذا الفقير الذي ال يجد ما يتصدق به ماذا يفعل؟ فليتبسم ،فتصبح وجوه
املسلمين وجوه ِب ْ
شر.
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
45
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وبينما هو جالس بين أصحابه ،ولعله وقتها كان يحدثهم
ومن القصص العجيب أن النبي
يف العقيدة أو الفقه أو العبادة ،دخل عليه صحابي يلبس عمته ،ولكن يبدو أنه كان متعجال فلم
يحكم ربطها ،فناداه النبي فأجلسه أمامه ثم َّ
حل العمامة وربطها بإحكام وأسدل له ثم قال“ :هكذا
فاعتم” .ويمكن أن نقيس هذا ىلع “ربطة الكرافتة” يف عصرنا اآلن ،لكن املقصود هو :كيف
ّ
أيما فرح ونوى أال
يتحبب إلى أصحابه ويشرح لهم كيف يكون هندامهم .وأما الرجل ففرح بهذا َّ
يحلها مرة أخرى بل تبقى هكذا تبركا برسول اهلل.
أنا لم أفعل هذا من قبل ،وال أدري ملاذا؟ ربما فعلتها منذ زمن البن أخي أو ابن أختي ،لقريب لي
لكن ليس لواحد من عموم املجتمع كي أدخل عليه سعادة ومحبة وبشر وسرور وبهجة ،وهؤالء هم
من يسألون :لم يغيب اإلخاء عن دنيا املسلمين اليوم؟
ذلك أنهم منشغلون باألمور الجافة ،الفقه يقول كذا ،والنقاشات بعد الصلوات فقهية ،وتختفي
الحلو الذي تأنس له القلوب؟
املحبة واملودة والحديث ُ
كان رسول اهلل
أن تكون مثارة:
إذا أراد أن يتحبب الناس تحببهم بهذه الصورةُ ،يدخل أمورا ُتسعد ابتدا ًء دون
ذات مرة كان جالسا بين أصحابه ،فكان إذا أتى واحد رحب به وأجلسه ىلع يمينه ،ثم إذا أتى
ثان أجلسه أمامه ،وثالث فيلقي إليه بوسادة ،وهكذا يضع القادمين فيما يليه ليسعده ،حتى إذا
ضاق املكان وامتأل البساط ،جاء رجل ..ترى ماذا يفعل معه النبي؟!
إنما أريد أن نتذوق القصة ال أن نعرفها ملجرد الثقافة ،هذا الذي يشعر أنه زائد قد أتى بعد انتهاء
املجلس ،كيف يشعر؟! وكيف سيتعامل النبي مع شعوره هذا ،وهو الرسول ،ورئيس الدولة ،والقائد،
فكل من حوله أقل منه ،وفضله عليهم ال ُينكر ،فهو خير خلق اهلل ىلع اإلطالق.
لقد خلع رسول اهلل
عباءته وألقاها إليه وقال له :اجلس ىلع هذه!!
أأجلس ىلع عباءة الرسول صلى اهلل عليه وسلم؟! أبسطها ىلع األرض؟!
عيني الرجل ،وجمع العباءة وق ّبلها ،وذهب بها إلى سيد خلق اهلل يقول له :أكرمك
فطفرت دمعتان من
ّ
اهلل كما أكرمتني يا رسول اهلل.
ترى كيف بلغ هذا من قلب الرجل؟!
فرحا سعيدا ،حتى لو لم تكن السعادة موجودة بينه وبينهم فإنه يوجدها
إنه يريد ملن حوله أن يحيا ِ
ابتدا ًء.
فكانت هذه هي شخصية الرسول
46
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليه 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
الفصل الثاني :البشارات بنبوة محمد
كان الناس من أهل الكتاب وأصحاب العلم ينتظرون رسوال سيبعث اسمه أحمد أو محمد ،يعرفون
أنه رسول اهلل ،قبل أن يعرف النبي نفسه أنه سيكون رسول اهلل .ونحن نقول هذا لكي نوقن أن
قواعد موجود ًة
دين اهلل واحد ،وأن هؤالء الذين يكفرون باإلسالم ،سوا ٌء يهود أو نصارى ،إنما ينكرون
َ
يف دينهم نفسه ،وأنهم ملا كفروا بمحمد إنما كفروا بدينهم .وهم ملا حرفوا كتبهم وملا قالوا بأن
القرآن ليس بكتاب هلل ،وأن محمدا ليس برسول هلل ،ملا فعلوا ذلك إنما كفروا بدينهم.
ونحن عندما نتحدث نحن هنا عن السيرة ال نتحدث عن أمر يخصنا وحدنا ،بل نتحدث عن أمر
تحدثت عنه األمم السابقة بمثل ما نتحدث عنه اآلن.
َْ
َ
إن األمر كما قال اهلل تعالى ُ
س َي ْغِل ُب َ
ون}
ت ُّ
ض َو ُه ْم ِم ْن َب ْع ِد َغَل ِب ِه ْم َ
الر ُ
{غِل َب ِ
ف أ ْد َنى ال ْر ِ
وم (ِ )2
[الروم ،]3 ،2 :فقبل أن تقع املوقعة عرف املسلمون ما الذي سيحدث ،فلما وقعت قالوا :نعم ،هذا ما
َ
ََ َ َ
اب
ف اْل ِك َت ِ
وعدنا اهلل ورسوله ،وصدق اهلل ورسوله .أو كقول اهلل تعالى { َوقض ْينا إِلى َب ِني إِ ْس َرا ِئيل ِ
َْ
ض َم َّر َت ْي ِن َولَ َت ْع ُل َّن ُع ُل ًّوا َك ِبي ًرا (َ )4فإ َذا َجا َء َو ْع ُد أُ َ
ول ُه َما [ } ....اإلسراءَ ]5 ،4 :
{فإِ َذا َجا َء
لَ ُت ْف ِ
ف ال ْر ِ
ِ
س ُد َّن ِ
َو ْع ُد ْال ِخ َر ِة [ }...اإلسراء ،]7 :فإذا حدثت هذه األمور نعلم أننا كنا نعرف بها من قبل أن تقع.
وكذلك السيرة ،أخبر اهلل تعالى بشأنها أصحاب الكتب السابقة ،فلما وقعت كانوا يعرفونها،
ولذلك يقول القرآن الكريم عن معرفتهم للنبي
أَ ْب َنا َء ُه ْم} [البقرة]146 :
ولهذا فإن سيرة النبي املصطفى
اب َي ْعِر ُفو َن ُه َك َما َي ْعِر ُف َ
{الَّ ِذ َ
ون
ين آ َت ْي َن ُ
اه ُم اْل ِك َت َ
لم تبدأ منذ والدته ،إنما هي بابتدائها وانتهائها ومراحلها
كانت معروفة ملن كان يقرأ الكتب السابقة :البعثة ومكانها والهجرة ومكانها ووفاته ودفنه.
أهل الكتاب
كان أهل الكتاب يستفتحون ىلع الذين كفروا ،فمن ذلك أن واحدا من أهل يثرب قتل رجال تابعا
فحرك هذا امللك جيشه وأقبل لقتال اليثربيين ،فبينما هو كذلك إذ خرج عليه عاملان
مللك اليمنَّ ،
من أحبار اليهود -الذين كانوا يعيشون يف املدينة -وقاال له :أيها امللك ،ال تفعل ،فإنك إن أبيت إال
ما تريد حيل بينك وبينها ،ولم نأمن عليك عاجل العقوبة ،فقال لهما :ولم ذاك؟ فقاال :هي (هذه
نبي يخرج من هذا الحرم من قريش يف آخر الزمان ،تكون داره وقراره.
املدينة) ُم َه َ
اج ُر ٍّ
48
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
فأنت تفاجأ هنا أنهم كانوا يتحدثون بتحديد غريب عن رسول اهلل
؛ فيقولون أن رسول اهلل
سيخرج يف هذا الزمان ،فنأخذ من هذا أنه رسول اهلل وأنه قد تحدد زمان خروجه ،ثم يقولون بأن
قومه سيضطهدونه وسيهاجر ،فها هنا تصريح بالهجرة ،ثم تكون هذه الهجرة من مكة “من هذا
الحرم” ،ثم حددوا قبيلته بأنها “قريش” ،وحددوا مكان الهجرة “يثرب” ،وعرفوا أنها ليست هجرة
مؤقتة لعامين أو ثالثة بل هي مستقر “تكون داره” وسيظل فيها طوال حياته حتى يموت ،فهي
“قراره” أي قبره.
فهذه العبارة ىلع بساطتها جاءت بالسيرة من أولها إلى آخرها ،فقد ذكرت :البعثة واالضطهاد
والهجرة ،وأهل النبي ونسبه ،وموطنه ومهجره ،ومدة إقامته يف يثرب وأين سيموت ويدفن .فتلك
هي السيرة!
فكانت صورة النبي واضحة يف أذهانهم ،كانوا يدركون األمر كله ،ويعرفون أنهم ينتظرون هذا
النبي .بل تبلغ درجة معرفتهم به أنهم { َي ْعِر ُفو َن ُه َك َما َي ْعِر ُف َ
ون أَ ْب َنا َء ُه ْم} [البقرة.]146 :
وتبدو هذه املعرفة واضحة تماما يف قصة َب ِحيرا الراهب ،فإنها يف غاية العجب..
كان النصارى ابتدعوا الرهبانية لتكون وسيلتهم إلى اهلل فكانوا يختارون مكانا منعزال خاليا للعبادة
وربما اختاروه ىلع الطريق كي يلتفت الناس ألمر عبادة اهلل فيجد من أراد سبيل اهلل أناسا يأخذونه
إلى هذا السبيل.
ويف صومعة ىلع الطريق بين مكة و ُبصرى –من أرض الشام -نزل راهب من رهبان النصارى،
يقولون :انتهى إليه علم النصرانية ،وكان أكبر الكهان يف الزمان يتعاقبون عليه ،ويزعمون أنه كان
لهم كتاب مخطوط من كتب النبوات ال ينسخون منه غير نسخة واحدة تكون مع كبير الرهبان.
وكان َبحيرا الراهب معتزال يف صومعته ال يأبه ملن يسافر أو يرجع ،إلى أن جاء ذات يوم فخرج من
صومعته وسعى إليهم ..فلماذا يا ترى؟
السبب أن محمدا ملا بلغ الثانية عشرة من عمره لم يكن طفال الهيا وال شابا عابثا وإنما أراد أن
يكون قويا ،وجد نفسه يتيما ال أب له وال أم وال َجد ،وهو عند عمه الذي يكفله ،وعمه هذا كثير
وألح ىلع عمه أن يخرج معه يف رحلة إلى الشام حتى
العيال ،فعزم ىلع أن يعمل بنفسهّ ،
استجاب له وخرج معه.
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
49
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وهنا يجب أن نتذكر وننتبه جيدا أن النبي لم يصل إلى الشام أبدا ،ولم يغادر حدود جزيرة العرب
أبدا.
وما إن عبرت القافلة بالطريق الذي عليه صومعة َبحيرا حتى غادر هذا صومعته ونزل إليهم،
وهذا مصداق قول اهلل عز وجل { َي ْعِر ُفو َن ُه َك َما َي ْعِر ُف َ
ون أَ ْب َنا َء ُه ْم} [البقرة ،]146 :إذ هو ملا رآه من بعيد
َع َر َفه .فأنت اآلن إذا نظرت من الشرفة إلى غالم بعيد يف الثانية عشرة من عمره لن تعرفه حق
املعرفة إال إذا كان ابنك أو يف هذه املكانة من القرب منك.
فصنع ،ثم أرسل إليهم فقال :إني قد
فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام ُ
وح ُّركم وعبدكم،
صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ،وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركمُ ،
فقال له رجل منهم :يا بحيرا إن لك اليوم لشأنًا ،ما كنت تصنع هذا فيما مضى! وقد كنا نمر بك كثيرا
فما شأنك اليوم؟ فقال له بحيرا :صدقت قد كان ما تقول ،ولكنكم ضيف ،وقد أحببت أن أكرمكم
وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم صغيركم وكبيركم ،فاجتمعوا إليه ،وتخلف رسول اهلل من بين
القوم -لحداثة سنه -يف رحال القوم تحت الشجرة ،فلما نظر بحيرا يف القوم لم ير الصفة التي
يعرف ويجد عنده ،قال :يا معشر قريش ،ال يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا ،قالوا له :يا بحيرا
ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إال غالم هو أحدث القوم سنا ،تخلف يف رحالهم ،قال :فال
والع َّزى إن هذا
تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم ،فقال رجل مع القوم من قريش:
والالت ُ
ِ
للؤم بنا ،يتخلف ابن عبد اهلل بن عبد املطلب عن الطعام من بيننا! ثم قام إليه فاحتضنه ،ثم أقبل
به حتى أجلسه مع القوم ،فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظًا شديدًا ،وينظر إلى أشياء من جسده قد
كان يجدها عنده يف صفته ،حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيرا فقال له :يا غالم،
أسألك بالالت والعزى إال أخبرتني عما أسألك عنه ،وإنما قال له بحيرا ذلك ألنه سمع قومه يحلفون
بهما( ،أما بحيرا نفسه فال يؤمن بهما بل يراهما أصناما) فزعموا أن رسول اهلل قال له :ال تسلني
بالالت والعزى شيئًا ،فواهلل ما أبغضت شيئًا قط بغضهما ،فقال له بحيرا :فباهلل إال أخبرتني عما
أسألك عنه ،قال :سلني عما بدا لك ،فجعل يسأله عن أشياء من حاله :من نومه ،وهيئته ،وأموره،
فجعل رسول اهلل -صلى اهلل عليه وسلم -يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته ،ثم نظر إلى
ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه ىلع موضعه من صفته التي عنده ،فلما فرغ منه أقبل ىلع
عمه أبي طالب فقال له :ما هذا الغالم منك؟ قال :ابني ،قال له بحيرا :ما هو بابنك ،وما ينبغي
لهذا الغالم أن يكون أبوه حيًا ،قال :فإنه ابن أخي ،قال :فما فعل أبوه؟ قال :مات وأمه حبلى به،
قال :صدقت ،ارجع بابن أخيك إلى بلده ،واحذر عليه اليهود ،فواهلل لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت
ل َي ْب ُغ َّنه شرًا ،فإنه كائن البن أخيك هذا شأن فأسرع به إلى بالده ،فخرج به عمه أبو طالب سريعًا
حتى أقدمه مكة.
50
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
ويشاء ربك أنه بمجرد إرجاع أبي طالب البن أخيه إلى مكة يأتي وفد إلى بحيرا من ثالثة علماء
من بني إسرائيل كانوا قد رأوا من رسول اهلل مثل ما رآه بحيرا يف ذلك السفر ،فأرادوه ليقتلوه ألنه
ليس من بني إسرائيل ,وهذا ليس غريبا عليهم فقد امتهن بنو إسرائيل قتل األنبياء ،فكم قتلوا من
نبي وكم قتلوا من رسول!
فخشي بحيرا ىلع النبي
منهم ،فظل ُي ِّذكرهم باهلل وما يجدون يف الكتاب من ذكره وصفته،
وصدقوه بما
وأنهم إن أجمعوا ملا أرادوا به لم يخلصوا إليه ولم يزل بهم حتى عرفوا ما قال لهم،
َّ
قال ،فتركوه وانصرفوا عنه .ولكنهم لم يؤمنوا ،إنما نجح بحيرا فقط يف إرجاعهم وصرفهم عن نية
قتله.
وأريد أن تنتبهوا معي إلى “ ُب ْصرى” هذه فستأتي معنا بعد قليل.
هذه اإلشارات التي تحدث يف الكون لم تكن بإشارات يسيرة بالنسبة ألهل الكتاب ،بل كانت
واضحة شديدة الوضوح ،إلى درجة أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
فمن ذلك أنه يف زمن صلح الحديبية خرج تاجر إلى الشام ،والشام كانت املركز األساسي ألهل
الكتاب ،فمكث سنة ،ثم قدم -وكان يكثر السب للنبي -فأول شيء سأل عن النبي فقيل له :هو
س َك َ
ت ولم يسبه كما كان يسبه ،ثم قال ألقاربه :إني كنت بقرية
–واهلل -أعز ما كان وأعاله أمراَ ،ف َ
فرأيت بها راهبا يقال له بكا لم ينزل إلى األرض أربعين سنة ،وذلك ليتفرغ للطاعة الخالصة من
مخالطة الناس ،وألنه عرف أن الزمان زمان جاهلية وفتن ،يقول الرجل :فنزل يوما فاجتمعوا ينظرون
إليه ،فجئت فقلت :إن لي حاجة ،فخال بي .فقلت :إني من قريش وإن رجال منا خرج يزعم أن اهلل
أرسله .قال :ما اسمه؟ قلت :محمد .قال :منذ كم خرج؟ قلت :عشرين سنة .قال :أال أصفه لك؟ قلت:
بلى .فوصفه فما أخطأ من صفته شيئا ،ثم قال لي :هو –واهلل -نبي هذه األمة ،واهلل ليظهرن .ثم
دخل صومعته وقال لي اقرأ عليه السالم.
ص ْفه
وهنا تأمل يف هذا الذي جاء يسأل عن نبي ُبعث من عشرين سنة ،فاملتوقع أن يقولِ :
لي ،ال أن يقول :أال أصفه أنا لك؟
51
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
العجيب يف هذا األمر أن ال أكون رأيتك وال جلست إليك ثم أستطيع أن أصف صفاتك وأحوالك
ُ
استطعت أن أصف ذلك بدقة فال بد أن يكون هذا
بدقة ،السمت والكالم ومسيرته يف الحياة .فإذا
الذي عندي هو علم موثق راسخ.
إنما نقول هذا لنمهد للحديث عن وحدة الدين الذي أنزله اهلل ،ووحدة السيرة التي نتحدث
فيها ،ال يختلف سابقها عن الحقها أبدا ،وإنما هي دين اهلل -عز وجل -الواحد الذي ينظم هؤالء
جميعا.
ُ
ورقة ُ
بن َن ْو َفل ،وليس صحيحا ما يظنه البعض من أنه سمع عن رسول اهلل ملا بعث
وهذا
وذهبت إليه خديجة ،ال ..لم يكن األمر كذلك.
إن ورقة بن نوفل رجل قرأ دين اهلل ،وتعلم فيه أن األوثان باطل ،فانتقل من الدين الذي عليه
الكافرون الوثنيون إلى دين أهل الكتاب يعبد اهلل الواحد الذي ال شريك له ،وقرأ يف كتب أهل الكتاب،
العبرانية التي كتبت بها كتابات اليهود والنصارى يف الدين ،فقرأ وعرف ،وذات
وكان يعرف اللغة ِ
عينت “مديرا جديدا” لتجارتها التي تذهب إلى
يوم زارته خديجة –وهي ابنة عمه -فذكرت له أنها َّ
الشام ،هو محمد بن عبد اهلل بن عبد املطلب ،وأنها أرسلت معه غالمها ميسرة ليستوثق ويطمئن
ّ
ولكن ميسرة أتاها بأخبار غريبة كالغمامة التي تظلله أو امللكين أو ما سوى
ألمر التجارة معه،
ذلك ،وما يزال يصل إلى ورقة خبر بعد خبر حتى امتألت نفسه به ،وقال لها“ :لئن كان هذا حقا يا
خديجة ،إن محمدا لنبي هذه األمة ،وقد عرفت أنه كائن لهذه األمة نبي ُينتظر ،هذا زمانه” ،وروي
عنه شعر يعبر عن تشوقه هذا الذي كان يكتمه يف نفسه وال ُيص ّرح به ،يقول:
لهم طاملا بعث النشيجـا
لججت وكنت يف الذكرى لجوجا ٍّ ...
ٌ
َ
وصف ...فقد طال انتظاري يا خديجا
خديجة بعد
ووصف من
ٍ
ببطـــن َّ
املك َتين ىلع رجائـي ...حديثك أن أرى منه خروجـا
خبرتنا مـــن قـــول قــس ...مــن الرهبان أكره أن يعوجا
بما َّ
بأن محمـــدا سيســـود فينــا ...ويخصم من يكون له حجيجا
ويظهر يف البالد ضيــاء نــور ...يقيم بــه البريــة أن تموجـا
فيلقى مــن يحاربــه خســارا ...ويلقـــى من يساملـه فلوجا
فيا ليتنــي إذا ما كان ذاكــم ...شهدت فكنت أولهــم ولوجا
52
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وبقي ينتظر ويكتم حتى إذا ُبعث النبي جاءه فقال له“ :ذلك هو الناموس الذي نزل ىلع موسى
وإنك نبي هذه األمة” ،وقال له عبارة اختصرت كل سيرته ،قال“ :يا ليتني كنت جذعا إذ يخرجك
مخرجي هم؟ قال :ما جاء نبي بمثل ما جئت به إال وآذاه قومه ،ولئن كنت معك
قومك” ،قال :أَ َو
ّ
فألنصرنك.
وظل بهذا ورقة بن َنوفل ىلع هذه الصورة ،أي مسلما مؤمنا ال بما عنده هو من حب للدين ،وإنما
بما عرفه من كتب أهل الكتاب.
ُ
يب ِب ِه َم ْن أَ َ
{ق َ
كذلك نحن نقرأ يف سورة األعراف قول اهلل تعالى َ
شا ُء َوَر ْح َم ِتي
ص ُ
ابي أ ِ
ال َع َذ ِ
ت ُك َّل َ
ون َّ
س َع ْ
ون ( )156الَّ ِذ َ
ين ُه ْم ِبآ َيا ِت َنا ُي ْؤ ِم ُن َ
الز َكا َة َوالَّ ِذ َ
ون َو ُي ْؤ ُت َ
ين َي َّت ُق َ
سأَ ْك ُت ُب َها لَِّل ِذ َ
ين
ي ٍء َف َ
شْ
َو ِ
ي ُْ
يل َيْأ ُم ُر ُه ْم ِب ْ َ
الر ُس َ
ول َّ
ي الَّ ِذي َي ِج ُدو َن ُه َم ْك ُتو ًبا ِع ْن َد ُه ْم ف َّ
َي َّت ِب ُع َ
وف
ون َّ
ال ِّم َّ
الن ِب َّ
ال ْع ُر ِ
الت ْوَرا ِة َو ْالِ ْن ِج ِ
ِ
ات َو ُي َح ِّر ُم َعَل ْي ِه ُم اْل َخ َبا ِئ َ
ال ْن َكِر َو ُي ِح ُّل لَ ُه ُم َّ
اه ْم َع ِن ْ ُ
ث َو َي َ
ض ُع َع ْن ُه ْم إِ ْص َر ُه ْم َوالَْ ْغ َل َل الَّ ِتي
َو َي ْن َه ُ
الط ِّي َب ِ
ك ُه ُم ْ ُ
النوَر الَّ ِذي أُ ْنِز َل َم َع ُه أُولَ ِئ َ
ات َب ُعوا ُّ
ص ُرو ُه َو َّ
َكا َن ْ
ال ْفِل ُح َ
ت َعَل ْي ِه ْم َفالَّ ِذ َ
ون}
ين َ
آم ُنوا ِب ِه َو َع َّز ُرو ُه َو َن َ
[األعراف ،]157 ،156 :ويبدو من اآلية وتعداد الصفات أن وصف النبي كان موجودا عندهم بهذا
التفصيل ،حتى ال يبقى لهم إال أنه كلما انكشف لهم أمر جديد قالوا :هذا هو الذي نجده عندنا يف
الكتاب حقا.
قلنا إن النبي
لم يصل الشام يف هذه الرحلة ،ولذلك حكمة:
إن الشام هي البلد الذي اجتمعت فيه معظم النبوات ،حتى قيل “ليس من نبي إال وكان له يف
الشام شي ًئا” ،ولذلك فال بد من شيء للنبي يف الشام ،لكن اهلل تبارك وتعالى جعلها له معجزة،
وهي رحلة اإلسراء واملعراج ،حيث اجتمع كل األنبياء هناك ،أولئك الذين أُ ِخذ عليهم العهد أن
ينصرونه ،وما كان هذا ممكنا اآلن –وهو يف الثانية عشرة ،ولم يبعث بعد -ثم كان ذلك بعد أن
ُب ِعث ،ويف سياق معجزة :وصف فيها املسجد األقصى .ولو أنه وصل إلى الشام يف هذه الرحلة لم
يعد لهذه املعجزة معنى ،إذ كان ُيقال :إنما رأى املسجد األقصى حينما كان صغيرا مع عمه أبي
طالب ،أما إذا تيقن الجميع أنه لم يذهب إلى املسجد األقصى أبدا ولم يره ولم يدخله ولم يزره ثم
عرف كل ما فيه ،فهذه معجزة تدل ىلع اإلسراء .وإذا اجتمع األنبياء جميعا –ومعظمهم كان مقره
الشام -حوله ف ُي ُّ
صلون خلفه يف املسجد األقصى فكأنهم يعطونه القيادة ولواء اإلمامة.
53
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وإذن ،فوصوله إلى الشام يف تلك الرحلة لم يكن -يف قدر اهلل -أمرا يخدم الدعوة وال الرسالة.
وإنما أريد تحقيق اإلرهاصات واألدلة ،وقد تحقق ذلك فال بد من الرجوع إلى الجزيرة العربية وأال يخرج
إلى الشام حتى ذلك املوعد املقدور.
يف دينهم ،أن املسيح -عليه السالم -ملا
إنك تجد عند النصارى –الذين ال يؤمنون بمحمد
ُ
سل ،كان من ضمن رسالته { َوُِل ِح َّل لَ ُك ْم َب ْع َ
ض الَّ ِذي ُح ِّر َم َعَل ْي ُك ْم} [آل عمران ،]50 :وذلك أن اليهود ملا
أ ْر ِ
عصوا اهلل وأوغلوا يف العصيان عاقبهم اهلل –تعالى -بسبب ظلمهم فقالَ :
{ف ِب ُظ ْل ٍم ِم َن الَّ ِذ َ
ادوا
ين َه ُ
َح َّر ْم َنا َعَل ْي ِه ْم َ
ات أُ ِح َّل ْ
ت لَ ُه ْم } [النساء ،]160 :لقد عاقبهم اهلل بأن حرم عليهم بعض الطيبات.
ط ِّي َب ٍ
وهذا مثلما يعاقب الوالد ابنه الصغير بمنع ما يعطيه إياه من املال ملا يتكرر منه من الخطأ ،رغم
أن هذا املال الذي يعطيه إياه مهم جدا من الناحية التربوية ،فإن الطفل إذا ُحِرم منه تماما فقد
يدفعه هذا إلى السرقة من أقرانه ،فإعطاؤه هذا املال هو يف الحقيقة معين له ىلع التزام
الصفات الصالحة .ولهذا أيضا يجب أن ُيعطى للطفل ما ُيشبع حاج َته ،ثم ما يشبع رغبا ِته إال قليال
لكي يتعلم االدخار ،فإشباع حاجته ضرورة كي ال يضطر إلى التلبس بالسرقة أو نحو ذلك من الصفات
السيئة ،وإشباع رغبته وما يحبه يجب أن يكون بأقل من هذا ليتعود التدبير ،فيكون لديه حد
الكفاية واالحترام ،ثم ُي َق َّيد كل هذا بالتربية الصالحة ومعرفة الحالل والحرام ومراقبة اهلل ،فيستقيم
ً
عقوبة عارضة ،ساعتها لن يتعلم
بهذا إن شاء اهلل .ويف هذا الوضع يمكن أن ُيحرم من هذا املال
السرقة وإنما سيتعلم أال يكرر هذا الخطأ ليعود إليه ما ُم ِنع عنه ،فيشعر بحالوة االستقامة.
حدا شنيعا:
ملا أرسل اهلل نبيه موسى عليه السالم إلى اليهود ،وكان قد وصل بهم العذاب ًّ
ُي َق َّتل أبناؤهم و ُيستحيى نساؤهم ،وهذا أبشع ما ُيرتكب يف أمة ،ألنه حين ُتقتل الرجولة يف أمة
ال يبقى إال انحراف املرأة ،يبقى العوج ،يبقى الجوع ،يبقى الذل .أما إذا ُوجدت الرجولة فسيوجد
حرم
الجهاد ،ويوجد من يكتسب الرزق ل ُينفق ،وتوجد القوامة التي تحول دون انحراف املرأة .لقد َّ
اإلسالم سفر املرأة مع غير ذي محرم ألنها بغير محرم ضعيفة ،قد تسمع كلمة فتميل إليها وربما
ال تستجيب لها ،لكن تكرار املحاوالت مرة واثنتين وثالثة ينشأ لها يف النفس فسوقا ،وهذا أمر
طبيعي .إن املرأة العفيفة إذا تكرر ىلع مسامعها الكلمات الرقيقة ،فإن الكلمة الثالثة أو الرابعة أو
الخامسة تصنع هوى وميال قلبيا ال ُيستطاع منعه.
54
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
فلذلك كان بنو إسرائيل –الذين ُي َق َّتل أبناؤهم و ُيستحيى نساؤهم -يف بالء عظيم ،ثم ملا
نجاهم اهلل فجعل لهم املاء أرضا ساروا عليها ،ثم جعل األرض ماء ىلع فرعون فأغرقته ليكون عبرة
ّ
ملن يعتبر ،لكنهم لم يحمدوا اهلل بل عبدوا عجال صنعوه ،وظلموا ظلما متواليا ،فقال اهلل تعالى
ادوا َح َّر ْم َنا َعَل ْي ِه ْم َ
ات أُ ِح َّل ْ
َ
{ف ِب ُظ ْل ٍم ِم َن الَّ ِذ َ
ت لَ ُه ْم} [النساء.]160 :
ين َه ُ
ط ِّي َب ٍ
تأدبوا وعاشوا أزمنة منها ُم َّد ٌة تسمى العصر
فلما جاء املسيح ابن مريم ،وكان بنو إسرائيل قد َّ
الذهبي لليهود ،ألنهم عادوا إلى اهلل ،جاء املسيح ليقولَ { :وُِل ِح َّل لَ ُك ْم َب ْع َ
ض الَّ ِذي ُح ِّر َم َعَل ْي ُك ْم}،
فوضح من هذا أن موسى جاء مهيم ًنا ىلع ما قبله من الدين بشريعة جديدة ،وأن املسيح ملا
جاء -أيها النصارى -جاء بما يهيمن ىلع شريعة اليهود عندما أق ّر نفس العقيدة ولكنه أحل بعض
الطيبات.
فما العجب إذا جاء محمد
فقال اهلل تعالى يف شأنه أنه يعيد الشريعة ألصلها ،فيحل جميع
ات َو ُي َح ِّر ُم َعَل ْي ِه ُم اْل َخ َبا ِئ َ
الطيبات { َو ُي ِح ُّل لَ ُه ُم َّ
ث} [األعراف ،]157 :ألنه الدين الخاتم الذي َّ
يتزن
الط ِّي َب ِ
به أمر الشريعة إلى يوم القيامة ،فما من طيب إال وهو حالل ،وما من خبيث إال وهو حرام ،وهذا شرع
اهلل الذي أرسل به محمد.
ومع ذلك كذبوا به برغم ما لديهم من علم كامل به.
ومن ذلك مثال ما رواه ميسرة –غالم خديجة -ملا رافق النبي
يف أول قافلة تجارية يديرها
النبي ،أنه نزل يف ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان ،فاطلع الراهب ىلع ميسرة،
فقال :من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ ،وميسرة ال يعرف شيئا بطبيعة الحال ومنتهى
علمه أنه خرج مع تاجر ،فقال :هذا رجل من قريش من أهل الحرم ،فقال له الراهب :ما نزل تحت هذه
الشجرة قط إال نبي.
قد تكون هذه معجزة :أن يصرف اهلل الناس عن النزول تحت هذه الشجرة ،كأن يكون ما تحتها
مبتال أو غير نظيف أو أن تكون أغصانها متكسرة ال تنشر ظال أو غير ذلك ،وفسرها بعض العلماء
ىلع أن الراهب يقصد أن الذي نزل تحت هذه الشجرة اآلن ليس إال نبيا.
55
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
والراهب هو العالِم عند النصارى ،أما الحبر فهو العالِم عند اليهود ،وإنما قيل راهب ألن النصارى
هم من ابتدعوا الرهبانية ،فأصبح من صفات عاملهم أنه راهب يترهب وينقطع للعبادة.
وثمة قسم آخر من الناس عرفوا النبي
ِّ
املتحنفون أو األحناف،
من قبل أن ُيبعث ،أولئك هم
وهم الذين اتبعوا الحنيفية ،وسيأتي بعد ذلك من يقول :نحن أولى الناس بإبراهيم ،فيرد عليهم
ان َح ِن ً
ود ًّيا َوَل َن ْص َرا ِن ًّيا َولَ ِك ْن َك َ
{ما َك َ
سِل ًما} [آل عمران،]67 :
يفا ُم ْ
اه ُ
اهلل تعالى بقوله َ
يم َي ُه ِ
ان إِْب َر ِ
،فيقول اهلل تعالى
ف ُيقال :فأولى الناس بإبراهيم أولئك الحنيفيون الذين جاءوا قبل بعثة محمد
ات َب ُعو ُه َو َه َذا َّ
بأن األولى بإبراهيم صنفان {إ َّن أَ ْولَى َّ
ين َّ
ي َوالَّ ِذ َ
يم لََّل ِذ َ
آم ُنوا} [آل
الن ِب ُّ
ين َ
اه َ
اس ِبإِ ْب َر ِ
الن ِ
ِ
عمران.]68 :
وذات مرة بينما يمشى أبو طالب ومعه ابن أخيه إذا بيهودي ينظر إليه فيصرخ بأىلع صوته،
ويقول :يا معشر يهود.)3( ...
محمد
إن الذي نسأل البشر جميعا عنه أن هذه الوقائع كانت قبل أن ُيعلن
ٌ
َ
بسنين
أنه نبي
طويلة ،وقت أن لم يكن َيعرف هو أنه سيكون نبيا ،ما الذي يجعل كل هؤالء يقولون :هذا نبي
هذا الزمان؟ بحيرا والرهبان والذي صرخ يف سوق اليهود :اقتلوا هذا الغالم ،وبكا وورقة بن نوفل،
وسلسلة متعاقبة من الرهبان اتبعهم سلمان الفارسي.
َ
سبيل آخ َر أمام هذه الوقائع التي حدثت قبل أن َيعرف النبي
ال
أنه نبي إال أن تمتلئ قلوبنا
يقينا بأنه نبي ورسول ،وسيرته معروفة من قبل بعثته ،يعرفها أهل العلم ممن سبقوه ىلع كل
حال.
وإليك قصة سلمان الفارسي ،فهي عجيبة جدا ..ويطيب لي أن أسميه “رجل تحرك يف الكون”!
وهي تدلك ىلع أن أصحاب الكتب السابقة كانوا ينتظرون نبيا ،ليس أي نبي وليس معرفة ىلع وجه
العموم ،وإنما يعرفون صفاته ومكان خروجه وخصائص شخصيته ،فال تنطبق صفاته ىلع أحد غيره.
يقول سلمان:
َ
هقان قريته (أي ناظر
ي ،وكان أبي ِد
كنت رجال فارسيا من أهل أصبهان ،من قرية يقال لها َج ٌّ
أحب خلق اهلل إليه ،لم يزل به حبه إياي حتى حبسني يف بيته كما ُتحبس الجارية،
الزراعة) ،وكنت َّ
واجتهدت يف املجوسية حتى كنت َق َ
ط َن النار (أي خادمها) الذي يوقدها ،ال يتركها تخبو ساعة.
( )3انقطاع يف التسجيل ،ولكن فحواه أن اليهودي صاح :اقتلوا هذا الغالم ،وقد كادوا أن يفتكوا به حتى استنقذ أبو طالب
نفسه باملناداة ىلع الناس.
56
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
ش َغل يف بنيان له يوما ،فقال لي :يا بني ،إني قد شغلت يف
وكانت ألبي ضيعة عظيمةُ ،ف ِ
بنياني هذا اليوم عن ضيعتي ،فاذهب إليها فاطلعها .وأمرني فيها ببعض ما يريد ،ثم قال لي :وال
إلي من ضيعتي ،وشغلتني عن كل شيء من أمري.
أهم ّ
تحتبس عني فإنك إن احتبست عني كنت َّ
ُ
فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها ،فمررت بكنيسة من كنائس النصارى ،فسمعت أصواتهم
فيها وهم يصلون ،وكنت ال أدري ما أَ ْم ُر الناس ،لحبس أبي إياي يف بيته ،فلما سمعت أصوا َتهم
دخلت عليهم أنظر ما يصنعون ،فلما رأيتهم أعجبتني صال ُتهم ورغبت يف أمرهم وقلت :هذا
–واهلل -خير من الدين الذي نحن عليه ،فواهلل ما برحتهم حتى غربت الشمس ،وتركت ضيعة أبي
فلم آتها ،ثم قلت لهم :أين أصل هذا الدين؟ قالوا :بالشام.
فرجعت إلى أبي ،وقد بعث يف طلبي ،وشغلته عن عمله كله ،فلما جئته قال :أي بني أين
كنت؟ أولم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال :قلت له :يا أبت ،مررت بأناس يصلون يف كنيسة لهم،
فأعجبني ما رأيت من دينهم ،فواهلل ما زلت عندهم حتى غربت الشمس ،قال :أي بني ،ليس يف
ذلك الدين خير ،دينك ودين آبائك خير منه ،قال :قلت له :كال واهلل ،إنه لخير من ديننا.
فخافني ،فجعل يف رجلي قيدا ،ثم حبسني يف بيته .و َب َع َث ْ
إلي النصارى فقلت لهم :إذا
ت َّ
ركب من الشام تجاٌر من النصارى،
قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم .قال :فقدم عليهم ٌ
فأخبروني بهم ،فقلت لهم :إذا قضوا حوائجهم ،وأرادوا الرجعة إلى بالدهم ،فآذنوني بهم.
فلما أرادوا الرجعة إلى بالدهم أخبروني بهم ،فألقيت الحديد من رجلي ،ثم خرجت معهم
حتى قدمت الشام .فلما قدمتها ،قلت :من أفضل أهل هذا الدين علما؟ قالوا :األسقف يف الكنيسة.
فجئته فقلت له :إني قد رغبت يف هذا الدين ،فأحببت أن أكون معك ،وأخدمك يف كنيستك،
فأتعلم منك ،وأصلي معك ،قال :ادخل ،فدخلت معه.
وكان رجل سوء ،يأمرهم بالصدقة ،ويرغبهم فيها ،فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنزه لنفسه،
الل من ذهب وورق .فأبغضته بغضا شديدا ملا رأيته يصنع،
ولم يعطه املساكين ،حتى جمع سبع ِق ٍ
ثم مات ،فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه ،فقلت لهم :إن هذا كان رجل سوء ،يأمركم بالصدقة،
ويرغبكم فيها ،فإذا جئتموه بها ،اكتنزها لنفسه ،ولم يعط املساكين منها شيئا .فقالوا لي :وما
علمك بذلك؟ قلت لهم :أنا أدلكم ىلع كنزه ،قالوا :فدلنا عليه .فأريتهم موضعه ،فاستخرجوا منه
سبع قالل مملوء ًة ذهبا وورقا .قال :فلما رأوها قالوا :واهلل ال ندفنه أبدا .فصلبوه ،ورجموه بالحجارة،
وجاءوا برجل آخر ،فجعلوه مكانه.
57
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
يقول سلمان :فما رأيت رجال ال يصلي الخمس ،أرى أنه كان أفضل منه وأزهد يف الدنيا ،وال أرغب
يف اآلخرة ،وال أدأب ليال ونهارا منه .فأحببته حبا لم أحبه شيئا قبله .فأقمت معه زمانا طويال ،ثم
حضرته الوفاة ،فقلت له :يا فالن ،إني قد كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك ،وقد حضرك
ما ترى من أمر اهلل تعالى ،فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال :أي بني ،واهلل ما أعلم اليوم أحدا
ىلع ما كنت عليه ،فقد هلك الناس ،وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه ،إال رجال باملوصل ،وهو فالن،
ْ
فالحق به.
وهو ىلع ما كنت عليه
فلما مات ُ
وغ ِّيب لحقت بصاحب املوصل ،فقلت له :يا فالن ،إن فالنا أوصاني عند موته أن
رجل ىلع أمر
ألحق بك ،وأخبرني أنك ىلع أمره ،فقال لي :أقم عندي ،فأقمت عنده ،فوجدته خي َر ٍ
صاحبه ،فلم يلبث أن مات .فلما حضرته الوفاة ،قلت له :يا فالن ،إن فالنا أوصى بي إليك ،وأمرني
باللحوق بك ،وقد حضرك من أمر اهلل ما ترى ،فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال :يا بني ،واهلل
ما أعلم رجال ىلع مثل ما كنا عليه ،إال رجال بنصيبين ( ، )4وهو فالن ،فالحق به.
فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين ،فأخبرته خبري ،وما أمرني به صاح ُبه ،فقال :أقم عندي،
فأقمت عنده ،فوجدته ىلع أمر صاحبيه .فأقمت مع خير رجل ،فواهلل ما لبث أن نزل به املوت،
فلما حضر قلت له :يا فالن ،إن فالنا كان أوصى بي إلى فالن ،ثم أوصى بي فالن إليك ،قال :فإلى
من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال :يا بني ،واهلل ما أعلمه بقي أحد ىلع أمرنا آمرك أن تأتيه إال رجال
ورية ( )5من أرض الروم ،فإنه ىلع مثل ما نحن عليه ،فإن أحببت فأته ،فإنه ىلع أمرنا.
بعم َّ
ُّ
فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية ،فأخبرته خبري ،فقال :أقم عندي ،فأقمت عند خير رجل،
ىلع هدى أصحابه وأمرهم .قال :واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة .ثم نزل به أمر اهلل تعالى،
فلما حضر قلت له :يا فالن ،إني كنت مع فالن ،فأوصى بي إلى فالن ،ثم أوصى بي فالن إلى فالن،
ثم أوصى بي فالن إليك ،فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال :أي بني ،واهلل ما أعلمه أصبح اليوم
أحد ىلع مثل ما كنا عليه من الناس آمرك به أن تأتيه ،ولكنه قد أظل ُ
زمان نبي ،وهو مبعوث بدين
حرتين ،بينهما نخل به عالمات ال
هاج ُر ُه إلى أرض بين َّ
إبراهيم عليه السالم ،يخرج بأرض العربُ ،م َ
خاتم النبوة ،فإن استطعت أن تلحق بتلك البالد
تخفى ،يأكل الهدية ،وال يأكل الصدقة ،وبين كتفيه
ُ
فافعل.
( )4نصيبين :مدينة تركية يف الجنوب الشرقي ،تقع ىلع الحدود مع سوريا.
( )5عمورية :مدينة يف وسط تركيا.
58
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
ثم مات وغيب ،ومكثت بعمورية ما شاء اهلل أن أمكث ،ثم َم َّر بي َن َف ٌر من كلب تجار ،فقلت
لهم :احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه ،قالوا :نعم .فأعطيتهموها
وحملوني معهم ،حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني ،فباعوني من رجل يهودي عبدا ،فكنت عنده،
ورأيت النخل ،فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ،ولم يحق يف نفسي ،فبينا أنا عنده ،إذ
قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من املدينة ،فابتاعني منه ،فاحتملني إلى املدينة ،فواهلل ما
هو إال أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي ،فأقمت بها ،و ُبعث رسول اهلل ،فأقام بمكة ما أقام ،ال أسمع
َ ()6
لس ِّيدي
له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ،ثم هاجر إلى املدينة ،فواهلل إني لفي رأس َعذق
َ
أعمل له فيه بعض العمل ،وسيدي جالس تحتي ،إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه ،فقال :يا
فالن ،قاتل اهلل بني قيلة ،واهلل إنهم اآلن ملجتمعون بقباء ىلع رجل قدم عليهم من مكة اليوم،
يزعمون أنه نبي.
قال سلمان :فلما سمعتها أخذتني العرواء ( )7حتى ظننت أني سأسقط ىلع سيدي ،فنزلت عن
النخلة ،فجعلت أقول البن عمه ذلك :ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ فغضب سيدي ،فلكمني لكمة شديدة،
ثم قال :ما لك ولهذا؟ أقبل ىلع عملك .قلت :ال شيء ،إنما أردت أن أستثبته عما قال.
فلما أمسيت جمعت ما كان عندي ،ثم خرجت حتى جئت إلى رسول اهلل وهو بقباء ،فدخلت
عليه ومعه نفر من أصحابه ،فقلت :إنه بلغني أنك ليس بيدك شيء ،وإن معك أصحابا لك وأنكم
أهل حاجة وغربة ،وقد كان عندي شيء وضعته للصدقة ،فلما ُذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس
به ،فجئتكم به ،ثم وضعته له ،فقال رسول اهلل« :كلوا» ،وأمسك هو ،قال :قلت يف نفسي :هذه
واهلل واحدة.
ثم رجعت ،وتحول رسول اهلل
إلى املدينة ،وجمعت شيئا ،فسلمت عليه ،وقلت له :إني قد
رأيتك ال تأكل الصدقة ،وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به من هدية أهديتها كرامة لك ليست
بصدقة ،فأكل وأكل أصحابه ،قال :قلت يف نفسي :هذه أخرى.
ثم رجعت ،فمكثت ما شاء اهلل ،ثم جئت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد
()8
وعلي شملتان ( )9لي ،وهو جالس يف أصحابه ،فسلمت عليه ،ثم
قد تبع جنازة رجل من أصحابه
ّ
استدرت أنظر إلى ظهره ،هل أرى الخاتم الذي َوصف لي صاحبي ،فلما رآني رسول اهلل استدبرته عرف
أني أستثبت يف شيء ُوصف لي ،فألقى رداءه عن ظهره ،فنظرت إلى الخاتم فعرفته ،فأكببت عليه
أقبله وأبكي ،فقال لي رسول اهلل :تحول ،فتحولت فجلست بين يديه ،فقصصت عليه حديثي.
( )6عذق :نخلة
( )7العرواء :الردعة واالنتفاض.
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
( )8موضع املقابر اآلن يف املدينة.
( )9الشملة :الكساء الغليظ.
59
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وتأمل هنا يف هذا السبب التاريخي الذي حمل اليهود ىلع الهجرة إلى املدينة ،ذلك أنهم
حرتين يف جزيرة
هاجر نبي “أرض فيها نخل بين َّ
كانوا يعرفون صفتها وسمتها ويعلمون أنها ُم َ
العرب” ،وهي أوصاف املدينة ،ولك أن تعجب ِمن هذا الذي هاجر أجداده ليكونوا ضمن دولة الرسول
فلما قامت دولة الرسول عارضها وتمرد عليها ،فهذا إنما يشهد دينه عليه بالظلم ،فدينه الذي
حمله ىلع الهجرة إلى هذه األرض بعينها.
وإال فمن أين أتى سلمان بهذه الصفات؟ إنما هو من علم أهل الكتاب.
إن الذين يعاندون اإلسالم ما هم إال جهلة أو مكابرون يعرفون الحق ثم ينكرونه ،وال
ثالث لهما.
لقد أحصيت عدد الكتب التي سأنقل منها ،من كتب الديانات السابقة ،فوجدت أربعة عشر
كتابا حافلة بذكر محمد -صلي اهلل عليه وسلم ،-بل وفيها ما سيأمرهم به ،فلقد كان يف تاريخ
اليهود أمور مباحة ثم ُح ِّرمت عليهم بظلمهم وذنوبهم ،ثم جاء املسيح فأحل لهم بعض الذي ُح ِّرم
ص ِّد ًقا ِ َ
لا َب ْي َن َي َد َّي ِم َن َّ
الت ْوَرا ِة َوُِل ِح َّل لَ ُك ْم َب ْع َ
ض الَّ ِذي ُح ِّر َم َعَل ْي ُك ْم}
عليهم كما ذكر القرآن عنه { َو ُم َ
وح ِّرم عليهم.
[آل عمران ،]50 :فكانوا يعلمون أن محمدا حين ُيبعث فس ُي ِح ّل لهم بقية ما كان حالال ُ
ولهذا فقد أنبأتهم التوراة باألحكام قبل محمد ،وكان اهلل يوجه نبيه ُ
{ق ْل َف ْأ ُتوا بِال َّت ْورَاةِ َفا ْت ُل َ
وها ِإ ْن
صادِ ِقين} [آل عمران.]93 :
م َ
ُك ْن ُت ْ
ِّ
املتحنفون
ليست الكتب السابقة التوراة واإلنجيل فقط ،وال أهل الديانات هم فقط أتباع موسى وعيسى
عليهم جميعا أفضل الصالة وأزكى التسليم.
يف مكة كان يتردد اسم إبراهيم عليه السالم ،فهو الذي رفع القواعد من البيت ،لم يبنه وإنما
جاء يف وقت كانت معالم املسجد الحرام قد انطمست ولم تكن معروفة وجهلها الناس وضلوا
اهيم َم َكان اْل َب ْيت} ثم عهد
الطريق إليها فع ّرفه اهلل تبارك وتعالى مكان البيت وقال { َوإِ ْذ َب َّوأْ َنا ل
ِِ ْب َر ِ
إليه أن يطهر البيت وأن يرفع القواعد من البيت.
60
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
لقد وفدت قبائل من العرب املهاجرينُ ،س ُّموا “العرب املستعربة” ،فسكنوا يف هذا املكان
فجر اهلل بئر زمزم من تحت قدمي إسماعيل عليه السالم ،فصارت
الذي بدأت تدب فيه الحياة عندما َّ
تحلق الطيور ،فرأتها القوافل ،فاستدلت ىلع أن هنا ماء ،فمن هنا سكنوها ،ونشأت مكة ونشأت
القبائل التي سيكون من نسلها قريش .فالقرشيون ُو ِجدوا يف هذا املكان ببركة دعوة إبراهيم
عليه السالم ،فكان انتسابهم إليه أمرا بديهيا ،إنهم ال ينتسبون ال إلى يهود وال إلى نصارى بل وال
ينسبون أنفسهم إلى نبي اهلل ورسوله موسى عليه السالم وال إلى نبي اهلل عيسى عليه السالم..
وإنما ينسبون أنفسهم إلى إبراهيم عليه السالم ،وكانوا يفخرون بهذا ،يقولون :نحن ىلع دين
إبراهيم .حتى الذين عبدوا األصنام كانوا ينتسبون إلى إبراهيم ،فهو الذي بنى البيت ورفع قواعده.
إال أن أناسا آخرين اختلف شأنهم ،فقد بحثوا يف الكتب وعند أهل العلم عن دين إبراهيم ،ماذا
يقول ،ثم صار يظهر بين الفينة والفينة من يقول :أنا أعبد اهلل ىلع دين إبراهيم .بل منهم من قال:
يا معشر قريش ،واهلل الذي ال إله غيره ليس منكم أحد ىلع دين إبراهيم غيري!
هذه الطائفة اسمها املتحنفون ،قالوا إن دين إبراهيم كان هو الحنيفية ،فمن انتسب إليها فهو
املتحنف ،وذكرت الكتب أسماء بعض منهم مثل كعب بن لؤي (وهو الجد السابع للرسول)ُ ،
وقس
وأمية بن أبي الصلت ..وآخرين .قالوا :إن عبادة األوثان ليست من
بن ساعدة ،وزيد بن عمرو بن ُنفيلَّ ،
دين إبراهيم.
فمن أين جاءوا بهذا؟
ُْ
وسى} ،فلقد
اهيم َو ُم َ
إننا نقرأ يف كتاب ربنا قوله تعالى {إِ َّن َه َذا لَ ِفي ُّ
الص ُحف الولَى ُص ُحف إِْب َر ِ
وحرفها البعض ،كما
كان إلبراهيم عليه السالم صحفا ،وقد انتقلت بطريقة أو بأخرى بين الناس،
َّ
طريق آخر ،ووردت يف صحف موسى ،ووردت يف اإلنجيل الذي
وردت يف صحف بني إسرائيل من
ٍ
أوحاه اهلل إلى عيسى ،ووردت يف الكتابات التي كتبها أتباع املسيح عيسى عنه.
فجاء من كل ذلك الكالم عن إبراهيم وعن دين إبراهيم.
ومن هنا أخذ املتحنفون الذين كانوا يتبعون دين إبراهيم بهذا القدر الصغير الذي وصلهم ،ويف
هذا القدر الصغير كانوا ُي ِّ
بشرون ويعلمون و ُيعِلمون أن هناك نبيا رسوال اسمه محمد سوف ُيبعث
وهو نبي هذا الزمان.
61
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وهنا نقف عند رجل كان ابنه يف زمن رسول اهلل
،بل كان من العشرة املبشرين بالجنة ،وهو
أقلهم شهرة :سعيد بن زيد ،واسم أبيه هو زيد بن عمرو بن نفيل.
ذهب سعيد بن زيد ليسأل رسول اهلل عن أبيه زيد ،قال له :يا رسول اهلل ،إن أبي كان كما قد رأيت
وبلغك ،ولو أدركك آلمن بك واتبعك ،فأستغفر له .قال“ :نعم فاستغفر له ،فإنه يبعث يوم القيامة
أمة وحده”.
وانظر إلى سلطان اإلسالم ىلع النفس ،إذا أخلص اإلنسان نفسه لربه ،سلطان اإلسالم
الذي منع رجال أن يستغفر ألبيه يف بيته إال إذا سأل رسول اهلل ،ألنه يسمع قول اهلل تعالى
س َت ْغ ِف ُروا لِ ْل ُم ْ
ي َو َّ
ان ل َّ
ين َولَ ْو َكا ُنوا ُأ ْولِي ُق ْر َبى ِم ْن َب ْع ِد َما َت َب َّي َ
ش ِر ِك َ
ال ِذ َ
{ما َك َ
ن
آم ُنوا أَ ْن َي ْ
ِلن ِب ِّ
ين َ
َ
َ
َ
يم} ،فلكونه لم يدخل يف اإلسالم توقف الرجل يف االستغفار ألبيه.
ص َح ُ
لَ ُه ْم أ َّن ُه ْم أ ْ
اب ا ْل َج ِح ِ
هذا األب ،زيد بن عمرو بن نفيل ،أعلن أن هذه األصنام باطل ،وأن هؤالء حرفوا اليهودية ،وهؤالء
حرفوا النصرانية ،وروي عنه أنه قال“ :اللهم لو كنت أعلم ىلع أي وجه أعبدك لعبدتك عليه” ،فكان
يستغفر اهلل أنه ال يعرف كيف يعبده فلم يوح إليه ما يدله ىلع مثل هذا.
ولهذا قال النبي
عنه “ ُيبعث يوم القيامة ً
وحده” ،فيأتي موسى عليه السالم بأمته ويأتي
أمة
َ
عيسى بأمته ويأتي إبراهيم بأمته ،ويأتي سيدنا محمد بأمته ،ويأتي زيد بن عمرو بن نفيل أمة
وحده ،ألنه عرف بطالن ما عليه الناس ولم يعرف أين الحق ،فأشهد ربه ،فغفر اهلل له ألنه أسلم
نبوات.
بهذه الكلمة ،ولم تكن هناك َّ
وقد ورد عن هؤالء كالم عن النبي
،فهذا كعب بن لؤي ،وهو من املتحنفين وقد عاش قبل
مولد الرسول بـ 500سنة ،أو ىلع وجه الدقة 520سنة ،أي بعد رفع املسيح عيسى ابن مريم من
بين أصحابه بأقل من 100سنة ،وقد حفظ العرب عنه بيت شعر يقول فيه:
محمد ..ف ُيخبـــر أخبـــارًا صدوقا خبي ُرها
ىلع غفلة يأتي النبي
ٌ
صرح باسم النبي ،وأنه يكون يف زمن قادم.
فهو ها هنا ُي ِّ
كما حفظت عنه العرب بيتا آخر يقول فيه:
يا ليتني شاهد فحواء دعوته ..حين العشيرة تبغي الحق ِخذالنا
فهو يعرف أن العشيرة سترفض ما جاء به من الحق ،ويتمنى أن يكون شاهدا لتلك اللحظة.
62
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
لتنصبت فيها تنصب الجمل
ثم يقول نثرًا“ :وأَ ْي ُم الحق ،لو كنت فيها ذا سمع وبصر ويد ورجل،
َّ
وألرقلت فيها إرقال الفحل”.
فأقواله هذه ُيستدل بها ىلع أن وصف النبي موجود يف الصحف التي وصلت إلى املتحنفين
ىلع قلتها.
أما أمية بن أبي الصلت فهذا رجل شهد أول الدعوة ،وكان أيضا من املتحنفين ،فقرأ يف الكتب
األولى أن نبيا ُيبعث من العرب ،ورأى نفسه طيبا صالحا فطمع أن يكون هو هذا النبي ،فلبس وشوح
األنبياء ،وأخذ يجتهد يف العبادة والطاعة ويكثر من ذكر اهلل ويذكر النبيين السابقين إبراهيم
وإسماعيل ويذكر دين الحنيفية ويشرحه للناس ويبينه ،وحرم الخمر وهجر األوثان وطاف بالرهبان،
يفعل كل هذا طمعا أن ينال به النبوة .ولكن النبوة ال ُتنال ،أي ال يصل إليها أحد باالجتهاد ،وإنما
هي اصطفاء من اهلل.
س ُ
بن ساعد َة الذي كان يعظ الناس يف األسواق ،ومنهم –كما ذكرنا -زيد بن عمرو
ومنهم أيضا ُق ُّ
بن نفيل .وقد رأى الرسول ثالثة منهم :أمية بن أبي الصلت ،وقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل.
إن ما جاء عن املتحنفين ال يضيف فكرة جديدة ،وإنما يضيف عنصرا جديدا ،فكالم من َّ
تحنفوا يؤكد
ما جاء يف التوراة واإلنجيل.
اإلسالم دين األنبياء
إن دين اهلل واحد دائما ،ليس ثمة أديان متعددة ،وإال لم يكن األنبياء ليقولوا شيئا واحدا ،إن
الد َ
الم} ،وال ينبغي أن
األنبياء قالوا نفس العقيدة ،نفس الرسالة ..يقول تعالى{ :إِ َّن ِّ
ين ِع ْن َد اللَّ ِ اإلِ ْس ُ
نتعجب عندما يقال يف عرض البشارات “مسلم راهب يعبد اهلل ىلع دين املسيح” ،ألن اإلسالم هو
وها
دين األنبياء جميعا ،والرهبانية اب ُت ِد َعت لعبادة اهلل ابتغاء وجه اهلل ،قال تعالى{ :وَر ْه َبا ِن َّي ًة ا ْب َت َد ُع َ
اها َعَل ْي ِه ْم}.
َما َك َت ْب َن َ
نوحا عليه السالم كان مسلما ،دينه اإلسالم ،ومن قبل نوح جاء يف اآلثار الصحيحة أنه “كان
إن ً
بين آدم ونوح عشر ُة قرون ُّ
كلها ىلع اإلسالم” ،أي :ألف سنة كلها ىلع اإلسالم.
63
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
وبعد ذلك أتي سيدنا نوح ،الذي يقول اهلل تعالى عنه { َوا ْت ُل َعَل ْي ِه ْم َن َبأَ ُنوح إ ْذ َق َ
ال لِ َق ْو ِم ِه َيا
ٍ ِ
الل َت َو َّك ْل ُ
َق ْو ِم إِ ْن َك َ
ت َفأَ ْج ِم ُعوا أَ ْم َر ُك ْم َو ُش َر َكا َء ُك ْم ُث َّم
الل َف َعَلى َّ ِ
ات َّ ِ
يري ِبآ َي ِ
ان َك ُب َر َعَل ْي ُك ْم َم َقا ِمي َو َت ْذ ِك ِ
َل َي ُك ْن أَ ْم ُر ُك ْم َعَل ْي ُك ْم ُغ َّم ًة ُث َّم ْ
سأَْل ُت ُك ْم ِم ْن أَ ْجٍر إِ ْن أَ ْجِر َي إَِّل
اق ُضوا إِلَ َّ
ون (َ )71فإِ ْن َت َولَّ ْي ُت ْم َف َما َ
ي َوَل ُت ْن ِ
ظ ُر ِ
ون ِم َن ْ ُ
ََ
الل َوأُ ِم ْر ُ
سِل ِم َ
ت أَ ْن أَ ُك َ
ين} [يونس.]72 ،71 :
ال ْ
ع َّ ِ
{ما َك َ
ان
وإبراهيم عليه السالم –النبي الثاني من أولي العزم من الرسل -قال اهلل تعالى عنه َ
ال ْ
ان ِم َن ْ ُ
ان َح ِن ً
شِر ِك َ
سِل ًما َو َما َك َ
ود ًّيا َوَل َن ْص َرا ِن ًّيا َولَ ِك ْن َك َ
ين} [آل عمران]67 :
يفا ُم ْ
اه ُ
يم َي ُه ِ
إِْب َر ِ
ب َع ْن ِم َّل ِة
ويذكر اهلل –تعالى -إسالمه يف سورة البقرة ،فيقول -تبارك وتعالى -فيهاَ { :و َم ْن َي ْر َغ ُ
اص َ
ين ( )130إ ْذ َق َ
َّ
ط َف ْي َنا ُه ف ُّ ْ
الصالِ ِح َ
ال
س ِف َه َن ْف َ
يم إَِّل َم ْن َ
اه َ
ل َن َّ
إِْب َر ِ
س ُه َولَ َق ِد ْ
ف ْال ِخ َر ِة َ ِ
ِ
الدن َيا َوإِن ُه ِ
ِ
لَ ُه َر ُّب ُه أَ ْسِل ْم َق َ
ال أَ ْسَل ْم ُ
ال َ
يم
ت لَِر ِّ
اه ُ
ين} [البقرة ]131 ،130 :وليس هو فحسب ،بل { َو َو َّ
صى ِب َها إِْب َر ِ
ب اْل َع َ ِ
ُ
وصى بها يعقوب بنيه ،وهم سيدنا يوسف -عليه
َب ِنيه} [البقرة ]132 :وهم
إسحاق ويعقوب ،وكذلك ّ
اص َ
ي إ َّن َّ َ
سِل ُم َ
الد َ
ون} [البقرة.]132 :
ط َفى لَ ُك ُم ِّ
ين َف َل َت ُمو ُت َّن إَِّل َوأَ ْن ُت ْم ُم ْ
الل ْ
السالم -واألسباط { َيا َب ِن َّ ِ
فإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف واألسباط األحد عشر ،كل هؤالء كان دينهم اإلسالم!
بل يقول اهلل -تبارك وتعالى -يف سورة الحج عن إبراهيم -عليه السالمِ { -م َّل َة أَِب ُ
يم ُه َو
اه َ
يك ْم إِْب َر ِ
س َّم ُ
اك ُم ْ ُ
سِل ِم َ
ين ِم ْن َق ْب ُل} [الحج.]78 :
ال ْ
َ
ت إ ْذ َق َ
ض َر َي ْع ُق َ ْ َ ُ
واسمع قول اهلل تعالى {أَ ْم ُك ْن ُت ْم ُش َه َدا َء إِ ْذ َح َ
يه َما َت ْع ُب ُد َ
ون ِم ْن
ال لِ َب ِن ِ
وب ال ْو ِ
ُ
اع َ
ك َوإلَ َه آ َبا ِئ َ
َ َ
يل َوإِ ْس َح َ
سِل ُم َ
ون} [البقرة:
اح ًدا َو َن ْح ُن لَ ُه ُم ْ
اه َ
اق إِلَ ًها َو ِ
يم َوإِ ْس َم ِ
ك إِْب َر ِ
َب ْع ِدي َقالوا َن ْع ُب ُد إِل َه ِ
.]133فالوصية التي توارثها األنبياء هي اإلسالم ،دين واحد ،ليس إلبراهيم دين غير الدين الذي جاء
به موسى غير الدين الذي جاء به عيسى ،دين واحد اسمه اإلسالم منذ خلق اهلل األرض إلى هذه
الساعة.
وإنك لتجد ذكرا خاصا لسيدنا إسماعيل -عليه السالم -يف القرآن الكريم يف سورة البقرة ،حيث
اع ُ
يل َر َّب َنا َت َق َّب ْل ِم َّنا إ َّن َ
ك أَ ْن َ
يع
ت َّ
الس ِم ُ
اه ُ
ت َوإِ ْس َم ِ
اع َد ِم َن اْل َب ْي ِ
يم اْل َق َو ِ
يقول اهلل –تعالىَ { :-وإِ ْذ َي ْر َف ُع إِْب َر ِ
ِ
ُ
سلم ًة لَ َ َ
ب َعَل ْي َنا إ َّن َ
سِل َم ْي ِن لَ َ
ك أَ ْن َ
ت
اس َك َنا َو ُت ْ
اج َع ْل َنا ُم ْ
يم (َ )721ر َّب َنا َو ْ
اْل َعِل ُ
ك َو ِم ْن ُذِّر َّي ِت َنا أ َّم ًة ُم ْ ِ َ
ك َوأرِ َنا َم َن ِ
ِ
َّ
يم} [البقرة.]128 ،127 :
اب َّ
الت َّو ُ
الر ِح ُ
64
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
ونجد لوطا عليه السالم –وقد عاش يف زمن سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل -مسلما ،وذلك
فقدم لهم طعاما َ
{ف َل َّما
يف قصة املالئكة الذين حضروا إلى سيدنا إبراهيم ىلع هيئة ضيوف،
َّ
ُ
َ َ
يف ًة َقاُلوا َل َت َخ ْ
س ِم ْن ُه ْم ِخ َ
وط} [هود:
ص ُل إِلَ ْي ِه َن ِك َر ُه ْم َوأَ ْو َج َ
س ْل َنا إِلَى َق ْو ِم ُل ٍ
ف إَِّنا أ ْر ِ
َرأى أ ْي ِد َي ُه ْم َل َت ِ
،]70وقوم لوط هم الذين أحل اهلل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث ،فتركوا النساء وصاروا يأتون
الذكران من العاملين ،فأرسل اهلل إليهم العذاب ىلع يد املالئكة ،فقال لهم سيدنا إبراهيم –كما
ُ
ال َف َما َخ ْط ُب ُك ْم أَُّي َها ْ ُ
{ق َ
يف سورة الذارياتَ -
س ْل َنا إِلَى َق ْو ٍم ُم ْجِر ِم َ
س ُل َ
ين ()32
ال ْر َ
ون (َ )31قاُلوا إَِّنا أ ْر ِ
س َّو َم ًة ِع ْن َد َر ِّب َ
ين (َ )34فأَ ْخ َر ْج َنا َم ْن َك َ
سِر ِف َ
يها ِم َن
ان ِف َ
ك لِْل ُم ْ
ين (ُ )33م َ
س َل َعَل ْي ِه ْم ِح َجاَر ًة ِم ْن ِ
لِ ُن ْر ِ
ط ٍ
ت ِم َن ْ ُ
ُْ
سِل ِم َ
ال ْؤ ِم ِن َ
ين } [الذاريات .]36 - 31 :فالبيت الوحيد الذي
ين (َ )35ف َما َو َج ْد َنا ِف َ
ال ْ
يها َغ ْي َر َب ْي ٍ
نجا هو البيت الذين ىلع دين لوط عليه السالم ،وهم املسلمون ..فاإلسالم كان أيضا دين لوط عليه
السالم الذي كان يدعو إليه قومه.
واسمع قول اهلل تعالى عن سيدنا يوسف عليه السالم ،الذي ُجمعت قصته يف سورة واحدة،
ولم تأت يف غيرها إال إشارات ،قال عنه بعد أن اكتمل لسيدنا يوسف أمره ىلع عرش مصر ،وجاءه
ب َق ْد آ َت ْي َت ِني
أبواه ورفعهما ىلع العرشَّ ،
وخر له إخوانه ُس َّجدا ،واستقر األمر له ،كان آخر ما قالَ{ :ر ِّ
ال ْلك َو َع َّلم َتني م ْن َتْأو َْ
ات َوالَْْر ِ َ ْ َ
الد ْن َيا َو ْال ِخ َر ِة َت َو َّف ِني
ف ُّ
اط َر َّ
الس َما َو ِ
يث َف ِ
اد ِ
يل ال َح ِ
ِم َن ْ ُ ِ
ْ ِ ِ
ِ ِ
ض أنت َولِ ِّيي ِ
َ
الصالِ ِح َ
ين} [يوسف.]101 :
ُم ْ
سِل ًما َوأْل ِح ْق ِني ِب َّ
واسمع قول موسى عليه السالم لقومه { َو َق َ
الل َف َع َل ْي ِه َت َو َّك ُلوا
ال ُم َ
وسى َيا َق ْو ِم إِ ْن ُك ْن ُت ْم َ
آم ْن ُت ْم ِب َّ ِ
سِل ِم َ
ين} [يونس .]84 :فالدين الذي أنزله اهلل ىلع موسى اسمه اإلسالم ،ولذلك قال
إِ ْن ُك ْن ُت ْم ُم ْ
الرسول “لو كان أخي موسى ح ّيا ما وسعه إال أن يتبعني”.
يها ُه ًدى َو ُنوٌر َي ْح ُك ُم ِب َها َّ
ويقول اهلل تعالى عن موسى عليه السالم {إَِّنا أَ ْن َزْل َنا َّ
الن ِب ُّي َ
ون
الت ْوَرا َة ِف َ
الر َّبا ِن ُّي َ
ين أَ ْسَل ُموا لَِّل ِذ َ
الَّ ِذ َ
الل َو َكا ُنوا َعَل ْي ِه ُش َه َدا َء}
ين َه ُ
ادوا َو َّ
ون َوالَْ ْح َبا ُر ِب َما ْ
اب َّ ِ
اس ُت ْح ِف ُظوا ِم ْن ِك َت ِ
[املائدة ،]44 :إذن يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون الذين أسلموا واألحبار الذين أسلموا.
وإنك لتعجب من قصة سليمان عليه السالم ،وذلك أن بعض األنبياء يسرد اهلل تبارك وتعالى قصة
صل اهلل يف إسالمهم
كونه مسلما ويدعو قومه إلى اإلسالم يف آية واحدة ،بينما األنبياء الذين َف َّ
65
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
هم األنبياء الذين يتخذهم أعداؤنا اليوم عنوانا وشعارا؛ فهؤالء اليهود يقولون نحن أتباع سليمان،
ونريد بناء هيكل سليمان ،والنجمة التي يف رايتنا نجمة داود ،ولهذا يكرر القرآن أن دين سليمان هو
اإلسالم ليس مرة واحدة بل أكثر من مرة:
ُ
ال َُ
ت َيا أَُّي َها ْ َ
{قالَ ْ
ً
حكاية عن ملكة سبأ َ
اب
ففي سورة النمل يقول اهلل تعالى
ي ِك َت ٌ
ي إِلَ َّ
ل إِِّني أْل ِق َ
سِل ِم َ
يم ( )29إَِّن ُه ِم ْن ُس َل ْي َم َ
ين} [النمل:
الر ْح َم ِن َّ
الل َّ
يم ( )30أََّل َت ْع ُلوا َع َل َّ
ي َوأْ ُتو ِني ُم ْ
ان َوإَِّن ُه ِب ْ
َكِر ٌ
س ِم َّ ِ
الر ِح ِ
.]31 - 29فسليمان –إذن -يدعو إلى دين اسمه اإلسالم.
ال َُ
ال َيا أَُّي َها ْ َ
{ق َ
ويف ذات السورة ،ملا عرف أن ملكة سبأ استجابت لدعوته ،قال َ
ل أَُّي ُك ْم َيْأ ِتي ِني
سِل ِم َ
ين} [النمل ،]38 :فهو –إذن -يشهد ىلع من استجاب لدعوته أنه
ش َها َق ْب َل أَ ْن َيْأ ُتو ِني ُم ْ
ِب َع ْر ِ
بذلك قد دخل اإلسالم.
ويف ذات السورة ملا دخلت امللكة إليه يف عرشه ووجدت عرشها قالتَ :
{كأَ َّن ُه ُه َو} فيقول:
سِل ِم َ
ين}.
{ َوأُو ِتي َنا اْل ِع ْل َم ِمن َق ْبِل َها َو ُك َّنا ُم ْ
ب إِّني َ
سي َوأَ ْسَل ْم ُ
ظ َل ْم ُ
ال َ
ت َم َع ُس َل ْي َم َ
ين} [النمل.]44 :
ل َر ِّ
ان ِ َّ ِ
ت َن ْف ِ
ب اْل َع َ ِ
وملا أسلمت امللكة قالتَ{ :ر ِّ ِ
وإذن ،فالدين الذي كان يدعوا إليه سليمان ،والذي استجابت له امللكة وكانت عليه هذه األمم من
الطير والجن واإلنس والحيوان ،كان هو اإلسالم ..ومن هنا فإذا قالوا :نهدم املسجد األقصى لنبني
هيكل سليمان فإنما يقولونها بظلم ،فإن سليمان عليه السالم َّ
صلى خلف رسول اهلل يف املسجد
األقصى؛ رسول اهلل إمام وسليمان يأتم به .فلقد أُ ِخذ عليه العهد كما قال اهلل تعالى { َوإ ْذ أَ َخ َذ َّ ُ
الل
ِ
اب َو ِح ْك َم ٍة ُث َّم َجا َء ُك ْم َر ُس ٌ
ص ِّد ٌق ِ َ
ين َ َ
اق َّ
ِمي َث َ
الن ِب ِّي َ
لا َم َع ُك ْم لَ ُت ْؤ ِم ُن َّن ِب ِه َولَ َت ْن ُص ُر َّن ُه}
ول ُم َ
لا آ َت ْي ُت ُك ْم ِم ْن ِك َت ٍ
[آل عمران ]81 :فمحمد هو الرسول ،وسليمان ضمن النبيين الذين أُ ِخذ عليهم هذا العهد .ولذا فإنه
–عليه السالم -برئ من هذا الذي يقال.
ويتصل املوكب باألنبياء حتى يختم بعيسى عليه السالم ،الذي قال كالما واضحا ال لبس فيه،
ُ
يسى ِم ْن ُه ُم اْل ُك ْف َر َق َ
رسل إلى قومه فمنهم من آمن ومنهم من كفرَ ،
ال َم ْن
{ف َل َّما أَ َح َّ
س ِع َ
وذلك حين أ ِ
َ
َ
الل َو ْ
الل َق َ
سِل ُم َ
ال اْل َح َوارِ ُّي َ
ون} [آل عمران .]52 :فها
اش َه ْد ِبأَ َّنا ُم ْ
الل َ
آم َّنا ِب َّ ِ
صا ُر َّ ِ
صارِي إِلَى َّ ِ
ون َن ْح ُن أ ْن َ
أ ْن َ
هو عيسى عليه السالم قد أُرسل باإلسالم.
66
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
ال َّ ُ
ك َو َ َ
اذ ُك ْر ِن ْع َم ِتي َعَل ْي َ
ويقول اهلل تعالى يف سورة املائدة{ ،إ ْذ َق َ
يسى ا ْب َن َم ْر َي َم ْ
ع
الل َيا ِع َ
ِ
ال ْه ِد َو َك ْه ًل َوإ ْذ َع َّل ْم ُت َ
اس ف ْ َ
َ َ
َ
وح اْل ُق ُد ِ ُ َ ِّ َّ
اب َواْل ِح ْك َم َة َو َّ
الت ْوَرا َة
ك اْل ِك َت َ
َوالِ َد ِتك إِ ْذ أ َّي ْد ُتك ِب ُر ِ
ِ
س تكل ُم الن َ ِ
ين َك َه ْي َئ ِة َّ
ون َ
ق ِم َن ِّ
َو ْال ْن ِج َ
يل َوإِ ْذ َت ْخ ُل ُ
يها َف َت ُك ُ
ط ْي ًرا ِبإِ ْذ ِني َو ُت ْبِر ُئ الَْ ْك َم َه
الط ْيِر ِبإِ ْذ ِني َف َت ْن ُف ُخ ِف َ
الط ِ
ِ
َْ
ْ
ات َف َق َ
يل َع ْن َ
ت َب ِني إ ْس َرا ِئ َ
ص ِبإ ْذ ِني َوإ ْذ ُت ْخِر ُج ْ َ
ال ْو َتى ِبإِ ْذ ِني َوإِ ْذ َك َف ْف ُ
ال
ك إِ ْذ ِجئ َت ُه ْم ِباْل َب ِّي َن ِ
ِ
ِ
َوال ْب َر َ ِ
ين (َ )110وإِ ْذ أَ ْو َح ْي ُ
س ْح ٌر ُم ِب ٌ
ت إِلَى اْل َح َوارِ ِّي َ
الَّ ِذ َ
ين أَ ْن آ ِم ُنوا ِبي َو ِب َر ُسولِي َقاُلوا
ين َك َف ُروا ِم ْن ُه ْم إِ ْن َه َذا إَِّل ِ
آم َّنا َو ْ
سِل ُم َ
ون} [املائدة]111 ،110 :
اش َه ْد ِبأَ َّن َنا ُم ْ
َ
إذن ..كل هؤالء كانوا ىلع اإلسالم.
واملسألة مشهورة ،كي ال يظن أحد أن عمر اإلسالم 1400عام فحسب ،بل اإلسالم دين كل األنبياء.
يدل ىلع هذا أيضا حديث صحيح يقول فيه نبي اهلل “األنبياء أوالد ِعالت ،أُ َّمها ُتهم َّ
شتى ،ودينهم
واحد” ،وبنو العالت هم اإلخوة الذين أبوهم واحد وأمهاتهم متفرقات.
ولذلك فنحن حين يقول املتحنفون عن الرسول
شيئا ،أو يقول اليهود ،أو يقول النصارى..
فنحن نقول لهم :إن الدين الذي كنتم عليه هو اإلسالم ،ومحمد
حينما أتى ليدعوكم إلى دين
إنما كان يدعوكم لدينكم ،ال أنه كان يأمر بالخروج من الدين للدخول يف دين آخر ،وإنما هو اإلسالم
الذي أوحاه اهلل تبارك وتعالى إلى كل أحد من األنبياء واملرسلين.
ماذا يبقى؟!!
آدم ،ثم عشرة قرون بعده ،ونوح ..وإسماعيل ..وإبراهيم ..وإسحاق ..ويعقوب ..واألسباط ..ويوسف..
ولوط ..وموسى ..وعيسى ..وسليمان ..وداود ..وليس أولئك كل األنبياء إذ إن اهلل لم يذكر لنا سوى 25
نبيا يف القرآن ،ومع ذلك فقد جاءت آية جامعة يف كتاب اهلل عز وجل..
ُ
ُ
ُ
اق َو َي ْع ُق َ َْ
اع َ
ُ
يل َوإِ ْس َح َ
ي
اط َو َما أو ِت َ
اه َ
{قوُلوا َ
وب َوال ْس َب ِ
يم َوإِ ْس َم ِ
الل َو َما أ ْنِز َل إِلَ ْي َنا َو َما أ ْنِز َل إِلَى إِْب َر ِ
آم َّنا ِب َّ ِ
ُ
ي َّ
سِل ُم َ
الن ِب ُّي َ
ون} [البقرة..]136 :
ون ِم ْن َر ِّب ِه ْم َل ُن َف ِّر ُق َب ْي َن أَ َح ٍد ِم ْن ُه ْم َو َن ْح ُن لَ ُه ُم ْ
وسى َو ِع َ
ُم َ
يسى َو َما أو ِت َ
والحقيقة أنها ليست آية واحدة ،بل طائفة من اآليات تقول بوضوح :لم يكن من دين يف هذه
الل َو َما أُ ْنِز َل َعَل ْي َنا َو َما أُ ْنِز َل َ َ
األرض أنزله اهلل تعالى ودعت إليه األنبياء إال اإلسالمُ ..
ع
{ق ْل َ
آم َّنا ِب َّ ِ
ُ
اق َو َي ْع ُق َ َْ
اع َ
يسى َو َّ
يل َوإِ ْس َح َ
الن ِب ُّي َ
ون ِم ْن َر ِّب ِه ْم َل ُن َف ِّر ُق
وسى َو ِع َ
ي ُم َ
اط َو َما أو ِت َ
اه َ
وب َوال ْس َب ِ
يم َوإِ ْس َم ِ
إِْب َر ِ
سِل ُم َ
ون} [آل عمران.]84 :
َب ْي َن أَ َح ٍد ِم ْن ُه ْم َو َن ْح ُن لَ ُه ُم ْ
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
67
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
واملقصود من كل هذا أن اهلل تبارك وتعالى حين جعل دين الناس واحدا ،فإن الذي يبدل فيه
ويغير يكون هو الظالم ..أولئك الذين كتموا العلم! وكتمان العلم هذا أمر خطير ،لقد صارت للدول
مباحث ومخابرات ودواوين ألجل أن تكتم العلم يف أفواه وقلوب وصدور الذين يعلمون ..ملاذا؟! لكي
تتبد العقائد واألديان ،فتنشأ أديان جديدة غير التي أنزلها اهلل ..وهم كلما فعلوا ذلك أرسل اهلل
رسوال يصحح األديان السابقة وينبه ويحذر إلى مواطن الخروج واالنحراف..
لذلك فإن آية آل عمران السابقة جاء بعدها مباشرة { َو َم ْن َي ْب َت ِغ َغ ْي َر ْالِ ْس َل ِم ِدي ًنا َف َل ْن ُي ْق َب َل ِم ْن ُه
يما ِن ِه ْم َو َ
ف َي ْه ِدي َّ ُ
الر ُس َ
ول َح ٌّ
ين (َ )85ك ْي َ
اسِر َ
ق
ش ِه ُدوا أَ َّن َّ
الل َق ْو ًما َك َف ُروا َب ْع َد إِ َ
ف ْال ِخ َر ِة ِم َن اْل َخ ِ
َو ُه َو ِ
َ
ك َج َز ُ
الل َل َي ْه ِدي اْل َق ْو َم َّ
ات َو َّ ُ
الل َو ْ َ
ين ( )86أُولَ ِئ َ
َو َجا َء ُه ُم اْل َب ِّي َن ُ
ال َ
ال َل ِئ َك ِة
اؤ ُه ْم أ َّن َعَل ْي ِه ْم لَ ْع َن َة َّ ِ
الظ ِ ِ
اب َوَل ُه ْم ُي ْن َ
يها َل ُي َخ َّف ُ
َو َّ
ون ( )88إَِّل الَّ ِذ َ
ظ ُر َ
ين (َ )87خالِ ِد َ
اس أَ ْج َم ِع َ
ين َتا ُبوا ِم ْن
ين ِف َ
ف َع ْن ُه ُم اْل َع َذ ُ
الن ِ
ك َوأَ ْصَل ُحوا َفإ َّن َّ َ
َب ْع ِد َذلِ َ
يم} [آل عمران.]89 - 85 :
الل َغ ُفوٌر َر ِح ٌ
ِ
ونفس هذا املعنى يف قول اهلل تعالى قبلها بآيتين { َوإ ْذ أَ َخ َذ َّ ُ
ين َ َ
اق َّ
الل ِمي َث َ
الن ِب ِّي َ
لا آ َت ْي ُت ُك ْم
ِ
َ
َ
َ
اب َو ِح ْك َم ٍة ُث َّم َجا َء ُك ْم َر ُس ٌ
ال أأ ْق َر ْر ُت ْم َوأ َخ ْذ ُت ْم َ َ
لا َم َع ُك ْم لَ ُت ْؤ ِم ُن َّن ِب ِه َولَ َت ْن ُص ُر َّن ُه َق َ
ص ِّد ٌق ِ َ
ع
ول ُم َ
ِم ْن ِك َت ٍ
اش َه ُدوا َوأََنا َم َع ُك ْم ِم َن َّ
ال َف ْ
ك َفُأولَ ِئ َ
ين (َ )81ف َم ْن َت َولَّى َب ْع َد َذلِ َ
َذلِ ُك ْم إ ْصِري َقاُلوا أَ ْق َر ْر َنا َق َ
اه ِد َ
ك
الش ِ
ِ
َْ
َ
َ
َّ
َ
َ
َ
َ
َ
الل َي ْب ُغ َ
اس ُق َ
ض ط ْو ًعا َوك ْر ًها َوإِل ْي ِه
ف َّ
الس َما َو ِ
ين ِ
ُه ُم اْل َف ِ
ون ( )82أ َف َغ ْي َر ِد ِ
ات َوال ْر ِ
ون َول ُه أ ْسل َم َم ْن ِ
ُي ْر َج ُع َ
ون} [آل عمران.]83 - 81 :
كل هذا يثبت أن دعوة األنبياء جميعا دعوة واحدة ،دين واحد اسمه اإلسالم .واهلل تبارك وتعالى
س ِّم ما أنزله أديانا بل دينا واحدا كما يف سورة الشورى َ
وحا
{ش َر َع لَ ُك ْم ِم َن ِّ
صى ِب ِه ُن ً
لم ُي َ
ين َما َو َّ
الد ِ
َوالَّ ِذي أَ ْو َح ْي َنا إلَ ْي َ
الد َ
يه} [الشورى:
يموا ِّ
وسى َو ِع َ
يم َو ُم َ
يسى أَ ْن أَ ِق ُ
اه َ
ك َو َما َو َّ
ين َوَل َت َت َف َّر ُقوا ِف ِ
ص ْي َنا ِب ِه إِْب َر ِ
ِ
.]13فجعل دين كل األنبياء دينا واحدا هو اإلسالم.
لم يبق إال آيات يف منتهى األهمية يف سورة القصص ،عن الذين أوتوا الكتاب من اليهود
س َت ِجي ُبوا لَ َ
والنصارى ،وحتى املتحنفين ،وذلك قوله تعالى َ
اعَل ْم أََّن َما َي َّت ِب ُع َ
ون أَ ْه َوا َء ُه ْم
{فإِ ْن لَ ْم َي ْ
ك َف ْ
الل َل َي ْه ِدي اْل َق ْو َم َّ
َّ
الل إ َّن َّ َ
ض ُّل ِم َّم ِن َّ
َو َم ْن أَ َ
ال َ
ص ْل َنا لَ ُه ُم
ين (َ { )50ولَ َق ْد َو َّ
الظ ِ ِ
ات َب َع َه َوا ُه ِب َغ ْيِر ُه ًدى ِم َن ِ ِ
ون} [القصص ..]51 ،50 :وتأمل يف هاتين اآليتين {الَّ ِذ َ
اْل َق ْو َل لَ َع َّل ُه ْم َي َت َذ َّك ُر َ
اب ِم ْن َق ْبِل ِه
ين آ َت ْي َن ُ
اه ُم اْل ِك َت َ
آم َّنا ِب ِه إَِّن ُه اْل َح ُّ
سِل ِم َ
ُه ْم ِب ِه ُي ْؤ ِم ُن َ
ين}
ق ِم ْن َر ِّب َنا إَِّنا ُك َّنا ِم ْن َق ْبِل ِه ُم ْ
ون (َ )52وإِ َذا ُي ْتَلى َعَل ْي ِه ْم َقاُلوا َ
68
[القصص]53 ،52 :
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
ملا جاء النبي
وتال عليهم القرآن آمنوا به ،لكن املهم هنا هو أنهم ذكروا سبق إيمانهم بالدين
من قبل أن يسمعوا القرآن ،فالقرآن دينهم الذي حدثتهم عنه التوراة واإلنجيل ..فلما آمنوا ذكر اهلل
َ
جزاءهم بقوله{ :أُولَ ِئ َ
ص َب ُروا َو َي ْدَر ُء َ
اه ْم
الس ِّي َئ َة َو ِم َّما َرَز ْق َن ُ
س َن ِة َّ
ون ِباْل َح َ
ك ُي ْؤ َت ْو َن أ ْج َر ُه ْم َم َّر َت ْي ِن ِب َما َ
س ِم ُعوا َّ
ُي ْن ِف ُق َ
س َل ٌم َعَل ْي ُك ْم َل َن ْب َت ِغي
الل ْغ َو أَ ْع َر ُضوا َع ْن ُه َو َقاُلوا لَ َنا أَ ْع َماُل َنا َولَ ُك ْم أَ ْع َماُل ُك ْم َ
ون (َ )54وإِ َذا َ
اهِل َ
ين} [القصص.]55 ،54 :
اْل َج ِ
لهذا ،فاألمر وبكل الوضوح أن اإلسالم ملا جاء إنما كان يدعوهم إلى دينهم نفسه ،حقيقة دينهم
الذي كانوا عليه ،لم يكن اإلسالم دينا خاصا بنا نحن ،إنما هو الدين الواحد الذي أُرسل به الرسل إليهم
من قبلنا ،وكانت دعوتهم أن يؤمنوا بدينهم..
69
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
الخاتمة :خطورة كتمان العلم وتحريف الدين
ويبدلون؟
غيرون
ِّ
لكن السؤال هنا :ما الذي جعلهم ُي ِّ
إن أخوف ما أخاف منه ،وما يجب أن نخاف منه جميعا ،الحديث الذي يقول فيه الرسول“ :لَ َت َّت ِب ُع َّن
وه ْم ُق ْل َناَ :يا َر ُس َ
اع َح َّتى لَ ْو َد َخ ُلوا ُج ْح َر َ
س َن َن َم ْن َك َ
الل،
ب َت ِب ْع ُت ُم ُ
ض ٍّ
ش ْب ًرا َو ِذَر ً
َ
ول َّ ِ
ش ْب ًرا ِ
ان َق ْبَل ُك ْم ِ
اعا ِب ِذَر ٍ
صاَرى؟ َق َ
ود َو َّ
الَ :ف َم ْن؟” أي :فمن غيرهم .والضب :هو الفأر الصغير ،أي أن اتباعهم سيصل إلى
اْل َي ُه ُ
الن َ
درجة عالية.
لقد قيل هذا الكالم للصحابة؟ ففزعوا.
فال بد أن نكون يف منتهى الخوف ،أن نضل الطريق ،بحيث أنهم كما خربوا دينهم نخرب نحن
ديننا ..أمر يف منتهى الخطوة!
فكيف خرب هؤالء دينهم الذي هو اإلسالم ووصلوا به إلى هذا التردي؟!
إن الدافع قد يكون أنهم اتبعوا أهواءهم بغير علم ،إنما أخطر من هذا أنهم أَ ْت َبعوا ذلك
بأمور منها :كتمان العلم.
كتمان العلم :أن يسكت الذي عنده العلم!
هذا يؤتى به يوم القيامة ،ليس شيطانا أخرس فحسب ،وإنما يؤتى به يوم القيامة ويعذب،
ألن اهلل لم يأمر الذين آمنوا أنهم إذا ُسئلوا أجابوا ،وإنما أخذ امليثاق بأمر آخر ،أخذه ببيان العلم
اق الَّذ َ ُ
ابتدا ًء من غير أن يكون سؤال ،قال تعالى { َوإ ْذ أَ َخ َذ َّ ُ
اب لَ ُت َب ِّي ُن َّن ُه لِ َّ
اس َوَل
ين أو ُتوا اْل ِك َت َ
الل ِمي َث َ ِ
لن ِ
ِ
َت ْك ُت ُمو َن ُه} [آل عمران.]187 :
70
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
إن الطغيان السياسي اليوم يعم البالد ،ليس من بلد اليوم تخلو من الطغيان السياسي ،وقد
ٌ
درجة معينة من درجات الحق،
أقاموا أجهزة املباحث واملخابرات ،أجهزة ضخمة من أجل أن ُتك َتم
ُيسمح بالقول لكن إلى حد معين ال يصل إلى درجة الحق هذه .فيظل جزء من الدين مختفيا ،فإذا
قيلت وظهرت توصم بأنها “تطرف” و”إرهاب” ،مع أنها من اإلسالم ،إذا فتحت القرآن وجدتها فيه.
وقد حدثت واقعة بين الرسول
وبعض أهل الكتاب ،سألهم عن الحكم يف قضية فقالوا له:
الحكم كذا ،فقال لهم :ال ،بل الحكم الذي يف التوراة هو نفسه الحكم الذي يف القرآن ،هاتوا التوراة
واتلوها ،فأتى صاحبهم فوضع يده ىلع موضع من التوراة وظل يقرأ ،فقال النبي له :ارفع يدك،
فكان تحت يده الحكم املراد.
هذا املشهد املضحك ،رجل يضع يده ىلع شيء من الصفحة كي ال تظهر للناس ،هو الحقيقة
التي حدثت عبر قرون طويلة ،أن يظل جزء من الدين مكتوما ،أن يكون الحديث مسموحا به إال يف
جزء بعينه ،مع أنه من صلب الدين .فهذا من أخطر ما تتعرض له األمة اإلسالمية ،ومن أخطر ما
تعرض لها َمن قبلهم :الكتمان!
هذا الذي يكتم العلم فيريح نفسه يف الدنيا ،يأتي يوم القيامة ف ُي َّ
عذب أشد العذاب ،ذلك أن
سدا يحجب الناس عن نور اهلل!
اهلل أنعم عليه بالعلم ليبينه للناس ،ال ليكون ًّ
فحسب أن
إني ألعلم بعض الناس الذين يؤم دروسهم اآلالف ،بدأ األمر معهم بأن اتفق مع واحد
ْ
يعلمه ،ثم زاد الواحد إلى اثنين ثم إلى أربعة ومائة وألف وثالثة آالف ،وأصبح لقا ًء مشهودا و ُيبنى
ربى عليه .ألن ذا العلم مأمور بالبالغ ولو لم يوجد إال واحدا فيجب أن ُي ِّ
بلغ ،ال بد أن يبلغ ،وال يسعنا
و ُي َّ
أن نسكت ..ال يسعنا أن نكتم الحق.
بل إن رسول اهلل
قال“ :ال يحقر أحدكم نفسه” ،قالوا :يا رسول اهلل ،كيف يحقر أحدنا نفسه؟
قال“ :يرى أمرا هلل عليه فيه مقال ثم ال يقول فيه .فيقول اهلل -عز وجل -له يوم القيامة :ما منعك
أن تقول يف كذا وكذا؟ فيقول :خشية الناس .فيقول :فإياي كنت أحق أن تخشى”.
71
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
فيذهب العبد إلى نار جهنم ،انظر كيف لم يصمد هلل خمس أو ست سنوات ،فيوضع يف نار
جهنم خمسين أو ستين سنة! والعياذ باهلل ..ومن يصبر ىلع نار جهنم؟!
إن أي أمة ترتضي أن تكتم من دين اهلل شيئا ،سيحدث لها مثلما حدث مع اليهود والنصارى ،صار
دينهم غي َر الدين الذي نزل ىلع نبيهم.
وقد يسأل سائل :إن اهلل يقول{ :إَِّنا َن ْح ُن َن َّزْل َنا ِّ
الذ ْك َر َوإَِّنا لَ ُه لَ َحا ِف ُظ َ
ون} ،فلن يحدث تحريف.
وأنا أقول بأن القرآن { َوإَِّنا لَ ُه لَ َحا ِف ُظ َ
ون} فاهلل هو حافظه ،أما التوراة واإلنجيل فقد عهد اهلل
الل َو َكا ُنوا َعَل ْي ِه ُش َه َدا َء} [املائدة ]44 :فكان
{ب َما ْ
اب َّ ِ
اس ُت ْح ِف ُظوا ِم ْن ِك َت ِ
بحفظهما ألهل الكتاب فقال ِ
الناس هم املستحفظين ،فلن يضيع القرآن مثلما ضاعت التوراة واإلنجيل.
أما نحن ،فنحن املكلفون بحفظ “تطبيق هذا الدين” ،حفظ “إقامة أحكامه” ..ال أن يأتي
أحد فيكتم أمر “الحكم بما أنزل اهلل” فيخفيها خوفا وحرصا ،ولذلك يأتي ضباط األجهزة
األمنية فيقولون :ما بال الدين الذي تتكلم فيه غير الدين الذي يتكلم فيه غيرك ،ملاذا ال
تتحدث يف الصالة والصيام والزكاة والحج وبر الوالدين وإطعام املسكين ...إلخ!
صحيح أن هذا كله يف دين اهلل ،ويف دين اهلل أيضا الجهاد يف سبيل اهلل ،واألمر باملعروف،
والنهي عن املنكر ،وإقامة حدود اهلل ،وإقامة الدولة اإلسالمية.
أنا مكلف بالبيان ،ال أضع وال أرفع شيئا من كتاب اهلل ،إن وظيفتي أن أتكلم يف اإلسالم كما هو
اإلسالم.
إنني إذا دخلت يف الصالة أقرأ يف سورة البقرة {الم (َ )1ذلِ َ
يه ُه ًدى لِْل ُم َّت ِق َ
ين
ك اْل ِك َت ُ
اب َل َر ْي َ
ب ِف ِ
يم َ
ين ُي ْؤ ِم ُن َ
( )2الَّ ِذ َ
اه ْم ُي ْن ِف ُقون} [البقرة ،]3 - 1 :ويف سورة البقرة
الص َل َة َو ِم َّما َرَز ْق َن ُ
ب َو ُي ِق ُ
ون َّ
ون ِباْل َغ ْي ِ
وم الَّ ِذي َي َت َخ َّب ُط ُه َّ
الش ْي َ
ط ُ
وم َ
ين َيْأ ُك ُل َ
نفسها {الَّ ِذ َ
ان} [البقرة ،]275 :فهل
ون ِّ
ون إَِّل َك َما َي ُق ُ
الر َبا َل َي ُق ُ
يسعني أن أقفز عليها؟!
بل يجب أن أقرأها ،ومن رضي أن يكتم فإنه هو الذي يبدل الدين.
72
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
يجب أن أنتبه إلى أن الذين جاءهم وصف النبي بدقة يف كتبهم ثم كذبوه إنما كان ذلك نتيجة
الكتمان!
يوم القيامة يأتي الناس بين يدي اهلل يقفون ،فيهم الضعفاء وفيهم األقوياء ،يقول الضعيف:
يا رب ،لم أكن أستطيع الوقوف أمام هؤالء ،لقد كانوا السادة ونحن الضعفاء ،فكتمنا ،اقرؤوا قول
َ
ال َل ِئ َك ُة َ
اه ُم ْ َ
س َت ْض َع ِف َ
اهلل تعالى{ :إِ َّن الَّ ِذ َ
ف
ين َت َو َّف ُ
يم ُك ْن ُت ْم َقاُلوا ُك َّنا ُم ْ
س ِه ْم َقاُلوا ِف َ
الي أ ْن ُف ِ
ظ ِِ
ين ِ
َْ
ض} [النساء ،]97 :فلم يكن هذا حجة لهم ،بل قيل{ :أَلَ ْم َت ُك ْن أَْر ُ
يها}،
اج ُروا ِف َ
الل َو ِ
ض َّ ِ
اس َع ًة َف ُت َه ِ
ال ْر ِ
{فُأولَ ِئ َ
سا َء ْ
ثم ذكرت اآلية أن مآلهم إلى جهنم َ
صي ًرا}.
ك َمْأ َو ُ
اه ْم َج َه َّن ُم َو َ
ت َم ِ
{إَّل ْ ُ
س ِب ً
ال َو ِّ
ون ِحي َل ًة َوَل َي ْه َت ُد َ
يع َ
س َت ْض َع ِف َ
يل} [النساء]98 :
ط ُ
ين ِم َن ِّ
ان َل َي ْ
ال ْ
ون َ
الن َ
س َت ِ
سا ِء َواْل ِوْل َد ِ
الر َج ِ
ِ
فالشيخ الكبير أو النساء أو األطفال الصغار هم املعذورون.
إن القرآن يقول أنه ال يخضع ضعيف لقوي يف معصية ما إال بإجرام يف نفس الضعيف ،إجرام
يستحق العذاب ،كما يقول اهلل -تبارك وتعالى -يف سورة سبأ { َولَ ْو َت َرى إ ِذ َّ
الظ ِ ُ
ون َم ْو ُق ُ
وف َ
ال َ
ون ِع ْن َد
ِ
َ
ْ
ض اْل َق ْو َل َي ُق ُ
اس َت ْك َب ُروا لَ ْوَل أ ْن ُت ْم لَ ُك َّنا ُمؤ ِم ِن َ
اس ُت ْض ِع ُفوا لَِّل ِذ َ
ول الَّ ِذ َ
ين}
ين ْ
ين ْ
َر ِّب ِه ْم َي ْر ِج ُع َب ْع ُض ُه ْم إِلَى َب ْع ٍ
[سبأ ]31 :فانظر كيف سماهم القرآن جميعا ظاملين؛ القوي ظالم والضعيف ظالم ،ألن القوي ال
يتفرعن إال ألن الضعيف لم يحافظ ىلع حقوق اهلل.
{ق َ
يقول الضعفاء لألقوياء :لوال أنتم لكنا مؤمنين ،فإذا بالذين استكبروا يقولون َ
ال الَّ ِذ َ
اس َت ْك َب ُروا
ين ْ
َ
ص َد ْد َن ُ
اك ْم َع ِن اْل ُه َدى َب ْع َد إِ ْذ َجا َء ُك ْم َب ْل ُك ْن ُت ْم ُم ْجِر ِم َ
لَِّل ِذ َ
ين} [سبأ]32 :
ين ْ
اس ُت ْض ِع ُفوا أ َن ْح ُن َ
ملاذا لم ُي ْق َبل عذر الضعف من الضعيف؟ ألنه لم يخضع للقوي إال ملا فيه من اإلجرام ،إجرام
اختيار الدنيا ىلع اآلخرة ،فإن اآلخرة يف يد اهلل لكن الدنيا تبدو يف يد هذا القوي ،فاختار
الدنيا التي يف يد هذا القوي ىلع اآلخرة ..فهذا هو اإلجرام.
إن كتمان العلم يأتي من هنا ،وقد عرف الضعفاء أن نفوسهم أحبت الدنيا ،وحب الدنيا هذا هو
الذي أنزلهم هذا املنزل ،فردوا ىلع األقوياء بأنهم من زرعوا فيهم هذا ،قالواَ { :و َق َ
ال الَّ ِذ َ
اس ُت ْض ِع ُفوا
ين ْ
ْ
َ
ام َة َ َّ
اس َت ْك َب ُروا َب ْل َم ْك ُر َّ
س ُّروا َّ
الل ْي ِل َو َّ
لَِّل ِذ َ
لا َرأَ ُوا
الل َو َن ْج َع َل لَ ُه أَ ْن َد ً
ين ْ
ادا َوأَ َ
الن َد َ
الن َهارِ إِ ْذ َتأ ُم ُرو َن َنا أ ْن َن ْك ُف َر ِب َّ ِ
َ
ْ َ َْ ْ َ َ
ين َك َف ُروا َه ْل ُي ْج َز ْو َن إَِّل َما َكا ُنوا َي ْع َم ُل َ
اق الَّ ِذ َ
ون} [سبأ.]33 :
اْل َع َذ َ
ف أ ْع َن ِ
اب َو َج َعلنا الغلل ِ
73
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
فاحذر من كتمان العلم ،احذر أن تكتم علما يف أبسط شيء ،يف رجل ضرب رجال ،أو رجل أخذ
قرشا من رجل وأنت شاهد ،ثم لم تشهد بالحق ،إياك أن تكتم الشهادة يف قضية ولو بسيطة ،قال
تعالى { َوَل َت ْك ُت ُموا َّ
اد َة َو َم ْن َي ْك ُت ْم َها َفإِ َّن ُه آ ِث ٌم َق ْل ُب ُه} [البقرة ..]283 :فكيف بكتمان الدين؟!
الش َه َ
أنت مأمور أن تبين للناس وأال تكتم ،فإياك أن تعتاد كتمان الحق وأنت تعرفه ،وإال فهذا هو بيع
الدين بثمن بخس ،بثمن بخس جدا ..قل الحق ولو بقدر ما تستطيع.
أحدُ ..ترى ملاذا؟ ألنه
أحد ٌ
إن بالل بن رباح وهو ُي َع َّذب و ُي ْضرب والصخرة ىلع صدره ،كان يقولٌ :
يرى الحق واإلسالم والدين وليدا ،وليدا صغيرا ينمو ،وعاين التعذيب الشديد الذي يحاول قتل الوليد
الصغير بهذه القوة والشراسة ،فخاف ..خاف من هالك هذا الوليد الصغير ،فعزم أن يبقى هذا الحق
أحد أحد ..كي يبقى صمود الوليد ،كيف يفشل التعذيب يف أن
الوليد ولو بأن يرفع بنانه ويقولٌ :
عمار وخ ّباب وسم ّية وياسر.
يقهر الدين ،وهكذا كان من معه مثل ّ
يجب علينا أن نقف عند الدين ،فالحق حق.
إن التحريف والتبديل يف غاية الخطورة ،أن ترفع شيئا وتضع شيئا لم يقله اهلل ،بل قال غيره،
فترفع أنت ما وضعه اهلل وتضع شيئا من عندك ،هذا وضع مؤسف وخطير.
إن ثمة من يهاجم السنة النبوية ،يقول :ال أدري ما هو الصحيح وما هو الخاطئ ،هذا صحيح وهذا
ضعيف ،فلنترك السنة كلها.
إن مثل هذا كالذي ملا سمع رجال يقول :هذا ابني وهذا ليس ابنا لي ،قال له :دعك من هؤالء
جميعا ،فليسوا بأبنائك!!
إن مثل هذا كالذي ملا سمع رجال يقول :هذا ابني وهذا ليس ابنا لي ،قال له :دعك من هؤالء
جميعا ،فليسوا بأبنائك!!
74
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
ما ال نعرفه عن رسول اهلل
إن االعتراف ببنوة أحدهم ونفي بنوة اآلخر ،يثبت أن الرجل يعرف أبناءه وأنهم معروفون
معدودون ،فالحديث إذا قيل :حديث صحيح وحديث ضعيف وحديث حسن وحديث كذا وحديث
كذا ،فهذا معناه أن األحاديث معروفة .ولذلك ملا أُمر بقتل زنديق قال لهم“ :أين أنتم من ألف
حرم فيها الحالل وأُ ُّ
حل فيها الحرام ،ما قال النبي منها حرفا ،فقال له هارون
حديث وضعتها فيكم أُ ِّ
الرشيد :أين أنت -يا عدو اهلل -من أبي إسحاق الفزاري وعبد اهلل بن املبارك؟ فإنهما ينخالنها نخ ً
ال
فيخرجانها حرفًا حرفًا” .فإن العلماء وضعوا علم الرجال فيعرفون من روى عن من ومن سمع من.
هل تظن أن الحديث الذي تقرؤه أتى هكذا؟ ال ،إنما الحديث الذي يقال معروف من سمعه من
النبي ،ومن سمعه منه ،ومن سمعه من الثاني ،وهكذا سلسلة السماع حتى وصلت للكتاب الذي
ُس ِّ
طرت فيه كالبخاري وغيره ،ثم طبعت وصارت مشتهرة بين الناس ..هذه السلسلة من السند
ُ
ورحالت سفرهم وما درسوه ،وهل مرض قبل موته أم ال،
معروف أشخاصها ،أسماؤهم وأحوالهم
ومنهم –مثال -من عاش ثمانين سنة ،فنحن نتتبع حياته ولو وجدناه ظل سبعين عاما صالحا وتقيا
ونقيا وورعا وإماما يف العلم ،ثم غاب عنا خبره وجهلنا تاريخه يف العشر سنين األخيرة من عمره..
هذا الرجل ،لو كان موجودا يف سلسلة السند ال ُتقبل روايته إال حين نعرف هل روى هذا الحديث
يف السبعين عاما األولى ،ومالم نعرف هذا فال تؤخذ منه الرواية.
إن علماء الحديث يعرفون رواة السند أكثر مما يعرف الداعية من يحضرون دروسه ،أكثر مما أعرف
أنا من يحضرون أمامي جميعا.
هذا التشكيك يف الدين ُيقصد به اختالل الدين ،فانتبهوا..
75
كتيب العدد الثاني عشر ،يوليو 2018
هدية العدد ١٢من مجلة
،يوليو ٢٠١٨
0
You can add this document to your study collection(s)
Sign in Available only to authorized usersYou can add this document to your saved list
Sign in Available only to authorized users(For complaints, use another form )