الجهوية املتقدمة باملغرب :تقييم املرحلة ورهان املستقبل باحماد إسماعيل، باحث بسلك الدكتوراه ،جامعة موالي إسماعيل، كلية العلوم القانونية واالقتصادية واالجتماعية مكناس. يعد البحث في مسار تطور الجهوية باملغرب وتقييم نجاعتها ،هذا االمر يحيلنا إلى االنطالق من فكرة أن املحطات التاريخية والسياسية والقانونية التي مر بها املغرب منذ تاريخ استقالله ساهمت في تطور منطق وفلسفة تدبير الشأن الوطني من تحقيق التعبئة والوحدة الوطنية مرورا إلى االنفراج السياس ي ،وصوال إلى انفتاح النظام السياس ي وتطور املسألة الديموقراطية الراهنة عن طريق تحديث بنياته السياسية واالقتصادية واالجتماعية والثقافية ومنظومته الترابية بما فيها الجهة كوحدة ترابية التي أصبحت تحتل مكانة مهمة داخل التنظيم الالمركزي باملغرب. وتهدف مقاربة الجهوية املتقدمة من جهة إلى الحد من اإلكراهات واملعيقات التي يعاني منها الواقع الترابي وخاصة في شقه القانوني والتنظيمي واملؤسساتي ،وكذا مواجهة العجز املالي والبشري الذي يؤثر سلبا على أداء وفعالية التدبير الجهوي، ومن جهة أخرى فإن تكريس مقاربة الجهوية املتقدمة تترجم مصداقية وجدية 1 املغرب في مواكبة التحديات والرهانات التي بات يطرحها املجتمع الدولي فيما يخص املقاربة الدولية لتدبير املجال بما يتماش ى مع مقومات الحكامة الترابية والديموقراطية التشاركية. فالجهوية املتقدمة تعتبر نموذجا متطورا للحكم على املستوى الترابي ،يهدف إلى تعزيز الالمركزية وتمكين الجماعات الترابية من املشاركة الفعالة في صنع القرار وإدارة شؤونها ،وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ التدبير الحر ،الذي يمنح الجهات والجماعات الترابية صالحيات واسعة في مجاالت التخطيط والتنمية وإدارة املوارد. وقد شهد املغرب منذ تبني هذا النموذج ،تحوالت هيكلية عميقة في نظام الحكم الترابي واإلدارة الترابية ،فقد تم تقسيم البالد إلى اثنتي عشرة جهة ،كل منها تتمتع بشخصية اعتبارية واستقالل مالي وإداري ،وتم منح هذه الجهات صالحيات واسعة في مجاالت مثل التنمية االقتصادية والتعليم والصحة والبنية التحتية والتخطيط الترابي وإدارة املوارد الطبيعية. وتندرج الجهوية املتقدمة في صلب الوراش االستراتيجية للمغرب ،وتعد تتويجا ملسار الالمركزية والديمقراطية على املستوى الترابي الذي نهجته بالدنا ،منذ املصادقة على أول تقسيم إداري للمملكة سنة 1959وفق مقاربة تدريجية .ويهدف ورش الجهوية املتقدمة ،الذي يأتي تنفيذا للرؤية املتبصرة للملك محمد السادس 2 ولتوجيهاته الواردة في العديد من خطبه السامية ،إلى النهوض بالتنمية االقتصادية واالجتماعية املندمجة واملستدامة وإلى إرساء عدالة مجالية لفائدة كافة املواطنين، وشهدت الفترة 2015 2011-تكريس املبادئ الدستورية للجهوية املتقدمة ،حيث نص دستور 20111في فصله الول على أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم ال مركزي يقـوم على الجهوية املتقدمة ،كما أفرد بابا خاصا للجهات والجماعات الترابية الخرى (الباب التاسع) .وتفعيال لهذه املبادئ ،تم سنة 2015إصدار القوانين التنظيمية للجماعات الترابية بمستوياتها الثالث ،التي منحت لهذه الخيرة صالحيات جديدة وواسعة ،كما شكلت الفترة 2015-2018مرحلة تأسيسية في مسار الجهوية املتقدمة ،لتزامنها مع إحداث وتفعيل مختلف هياكل مجالس الجهات. فإلى أي حد يمكن أن تساهم مقاربة الجهوية املتقدمة التي تمت دسترتها سنة 2011في الحد من االكراهات واملعيقات التي تعرفها املمارسة؟ وما هي املكتسبات املحققة وأي آفاق مستقبلية للنجاح؟ ولإلجابة على هذه السئلة نقترح التصميم اآلتي: املطلب األول :نحو جهوية متقدمة باملغرب :املنجزات املطلب الثاني :مساءلة و اقع الجهوية باملغرب :التحديات واآلفاق املستقبلية 1ـ نص دستور 2011الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.11.91بتاريخ 27من شعبان 1432موافق (29 يوليوز )2011الجريدة الرسمية عدد 5964مكرر بتاريخ 28شعبان 1432موافق ( 30يوليوز ،)2011ص .3600 3 املطلب األول :نحو جهوية متقدمة باملغرب :املنجزات انطالقا من الرسالة السامية للملك محمد السادس املوجهة إلى املشاركين في أشغال املناظرة الوطنية الولى للجهوية املتقدمة جاء فيها" :يطيب لنا في البداية ،أن نثمن مبادرة تنظيم مناظرة وطنية ،حول تقدم تفعيل ورش الجهوية املتقدمة ،التي أبينا إال أن نشملها بسابغ رعايتنا السامية ،ملا نوليه من اهتمام بالغ ،لهذا الورش املهيكل واالستراتيجي الكبير ،منذ أن أعطينا انطالقته؛ متطلعين إلى أن يشكل هذا امللتقى فرصة سانحة لتعميق النقاش وتبادل اآلراء ،حول التحديات الراهنة واملستقبلية ،ومدى مساهمة هذا الورش في تحقيق التنمية االقتصادية واالجتماعية والثقافية ببالدنا" .من نص هذه الرسالة امللكية ،نطرح التساؤل حول ما هي أبرز منجزات الجهوية املتقدمة باملغرب :املكتسبات (الفقرة الثانية) ،وماهي املستجدات التشريعية الخاصة بالتنظيم الالمركزي باملغرب (الفقرة الولى). الفقرة األولى :املستجدات التشريعية للجهات والجماعات الترابية األخرى في ظل بروز النقاش حول الجهوية املتقدمة وما صاحبها من تعديل دستوري لسنة 2011دفع الدولة إلعادة النظر في وحداتها الترابية ،ليس فقط 4 على مستوى التوزيع العمودي والفقي لالختصاصات أو التقسيم الترابي لهذه الوحدات ،بل على مستوى املقاربات املعتمدة في التدبير ،وذلك بتجاوز املقاربة التقليدية في تدبير ميزانيات الجماعات الترابية وإيجاد بدائل للتمويل والتنمية. فالواقع فرض ضرورة التكريس الفعلي والعملي للمقومات على مستوى التشريع واآلليات أي االنتقال من الشعار والخطاب إلى مرحلة العمل املمنهج الذي يعكس ثقافة التدبير الحديث لدى كل متدخل في العمل التنموي للجماعات الترابية ،وأمام دعم ونوعية الرهانات االستراتيجية امللقاة على عاتقها التي تحتم ضرورة إضفاء البعد التدبيري على املقتضيات القانونية. فاملستجدات التشريعية والسيما التأطير الدستوري لسنة 2011الذي حدد مجموعة من التوجيهات الجديدة التي تؤسس ملعالم التدبير املالي الترابي، حيث أورد الدستور بابا خاصا بالجهات والجماعات الترابية الخرى ،وهو الباب التاسع "الجهات والجماعات الترابية الخرى" الذي يضم 12فصال من (الفصل 135إلى الفصل .)164إضافة إلى التطور التشريعي الخاص بالقوانين التنظيمية للجماعات الترابية لسنة 2015على التوالي :القانون التنظيمي 111.14املتعلق بالجهات( ،)2والقانون التنظيمي112.14املتعلق بالعماالت واالقاليم( ،)3والقانون ()2القانون التنظيمي رقم 111.14المتعلق بالجهات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.83بتاريخ 20رمضان 7(1436يوليو ،)2015الجريدة الرسمية عدد 6308بتاريخ 6شوال 23( 1436يوليو ،)2015ص.6585 : ()3القانون التنظيمي رقم 112.14المتعلق بالعماالت واألقاليم الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.84بتاريخ 20 رمضان 7( 1436يوليو ،)2015الجريدة الرسمية عدد 6380بتاريخ 6شوال 23(1436يوليو )2015ص.6625 : 5 التنظيمي 113.14املتعلق بالجماعات( ،)4حيث نصت هذه القوانين على مجموعة من املرتكزات الجديدة التي تشكل قواعد ضابطة لتنظيم الجماعات الترابية. ومن املستجدات نجد الجانب املتعلق باملوارد املالية ،فاملوارد املالية حسب دستور 2011التي تتوفر عليها الجهات وباقي الجماعات الترابية الخرى تتمثل في موارد مالية ذاتية وموارد مالية مرصودة من قبل الدولة وموارد منقولة فكل اختصاص تنقله الدولة إلى الجهات والجماعات الترابية الخرى يكون مقترنا بتحويل املوارد املطابقة له ،إضافة للموارد االستثنائية التي يمكن االستفادة منها ،وتعتبر القروض أبرزها.5 فالهندسة الترابية الجديدة بكل تمظهراتها تهم تدبير جميع مناحي الشؤون العامة الترابية االستراتيجية منها والتدبيرية ،التي تمت بلورتها على شكل اختصاصات وأدوار تنموية تقوم بمقتضاها الجماعات الترابية بتحديد برامجها ورسم سياستها التنموية .فالوثيقة الدستورية حددت مستويات الوحدات الترابية ،المر الذي تم تكريسه داخل القوانين التنظيمية للجماعات الترابية بالتفصيل في تحديد االختصاصات املمنوحة لكل مستوى ترابي معين بغية ()4القانون التنظيمي رقم 113.14المتعلق بالجماعات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف 1.15.85بتاريخ 20رمضان 1436 ( 7يوليو ،)2015الجريدة الرسمية عدد 6380بتاريخ 6شوال 23( 1436يوليو ،)2015ص.6660 : ()5الفصل 145من دستور .2011 6 تحقيق الهدف الذي يتمثل في تحقيق التنمية الترابية ،وهو املبتغى الذي تسعى إليه عبر وضع برامج وعمليات داخل إطار مالي وميزانياتي معقلن ومتوازن ،هذا المر الذي ال يمكن بلوغه دون توفير اإلمكانيات املالية الالزمة لذلك في أفق ترجمتها إلى اعتمادات مالية وعمليات محاسباتية مدرجة بميزانياتها السنوية، وكذا برمجتها املتعددة السنوات. وفي إطار ربط املسؤولية باملحاسبة فاملشرع وسع من نطاق تدخل الهيئات الرقابية من خالل ممارسة مقاربة تقييم السياسات العمومية الترابية للوقوف على مدى تحقيق الهداف املنشودة والنتائج املحققة( ،)6والتي تمارس وفقا ملجموعة من السس انطالقا من محددات السياسة املالية للجماعات الترابية التي رسمتها السلطات العليا بالبالد. الفقرة الثانية :املكتسبات املحققة ملشروع الجهوية املتقدمة فالتطور الذي عرفه نظام الالمركزية الترابية باملغرب بناء على مجموعة من املكتسبات التي توجت بصدور دستور ،2011حيث واكبت هذه املقتضيات الدستورية مجموعة من النصوص املحددة لخارطة طريق ()6حمر الرأس سناء " ،التدبير المالي الترابي وإكراهات الواقع ومتطلبات التنمية" ،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية ،كلية العلوم القانونية واالقتصادية واالجتماعية-سال جامعة محمد الخامس ،السنة الجامعية-2016 : ،2017ص.8 : 7 الالمركزية( ،)7جعلت من أهدافها خلق موارد مالية جديدة الختصاصات موسعة ،وتعتمد ممارسة الجماعات الترابية الختصاصاتها انطالقا من نطاق املوارد املالية املتوفرة لدى الجماعات الترابية ،إذ ال يمكنها ممارسة اختصاصاتها إال إذا توفرت لها املوارد املالية الضرورية .فاملالية الترابية تبعث الروح في الجسم اإلداري الترابي وتجعله قادرا على تنفيذ وترجمة السياسة االقتصادية واالجتماعية التي يتم رسمها من طرف املجالس املنتخبة( .)8فبلوغ أهداف الجهوية املتقدمة يستلزم تعزيز املوارد املالية للجماعات الترابية ،وذلك من خالل خلق موارد ذاتية للجماعات الترابية والرفع من التحويالت املالية من طرف الدولة ،وتمكينها من موارد استثنائية يمكن االستفادة منها( .)9ويتحدد الهدف في مجال املوارد الذاتية تمكين الجماعات الترابية من الحصول على نظام جبائي ترابي ذو مردودية ،فالتصور الجديد لجبايات الجماعات الترابية يعتبر الجباية كسياسة مندمجة تتجه في منحى خلق التوازن بين التراب واإلنسان في إطار مقاربات تنموية مهمة تجعل من تجربة الالمركزية بعدا حقيقيا(.)10 ( )7أبالغ يونس" ،السياسات العمومية في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية" ،مجلة المنارة للدراسات القانونية واإلدارية ،العدد 14السنة ،2016ص.250 : ( )8حيمود المختار" ،مساهمة رصد التحديات والعوامل المؤثرة في أهداف الجهوية المتقدمة" ،المجلة المغربية لإلدارة المحلية والتنمية ،عدد 149نونبر-دجنبر سنة ،2017ص.115 : ()9ملخص التقرير العام حول النموذج التنموي ،أبريل ،2021ص.115 : ()10مليح هشام " ،الدولة والجبايات المحلية" ،السلسلة المغربية للعلوم والتقنيات الضريبة ،مطبعة األمنية -الرباط ،العدد 4سنة ،2014ص.7 : 8 وقد تم أيضا الرفع من املوارد املرصودة من طرف الدولة ،وفي هذا الصدد حدد مخطط للنهوض باملستوى االجتماعي للجهات ،ولهذه الغاية تم النص على إحداث صندوق للتأهيل االجتماعي وآخر للتضامن بين الجهات( ،)11وذلك حتى تتمكن الجهات من القيام بمهامها الجديدة في بلوغ التنمية االقتصادية واالجتماعية والثقافية والبيئية ،فإن الدولة ترصد لها مزيدا من املوارد املالية .بهدف االرتقاء بالجماعات الترابية من حيث الصحة والتربية وشبكة الطرق ومتابعة تقييم نتائجه بشكل الئق ،فاملشروع يفتح آفاقا عريضة للتدخل في كل مجاالت التنمية ويمنح لها املزيد من املوارد املالية بغية ممارسة االختصاصات املوسعة للجماعات الترابية. وقد عرفت تجربة الجهوية املتقدمة منح مجالس الجهات اختصاصات موسعة بهندسة جديدة ،حيث عمل املشرع على منح الجماعات الترابي ـة اختصاصات موسع ـة وأكثر تمفصال ،وذلك فيما يتعلق بالتنمية االقتصادية واالجتماعية والثقافية والبيئية ،والتي ترتكز على االختصاصات الذاتية في مختلف املجاالت التي تمكنها من حرية اتخاذ املبادرات في إطار القانون بحسب ما لديها من موارد .إذ يتوخى من الجماعات الترابية ومجالس الجهات على وجه الخصوص أن تساهم ( )11الفصل 142من دستور "2011يُحدث لفترة معينة ولفائدة الجهات صندوق للتأهيل االجتماعي ،يهدف إلى سد العجز في مجاالت التنمية البشرية ،والبنيات التحتية األساسية والتجهيزات. يُحدث أيضا صندوق للتضامن بين الجهات ،بهدف التوزيع المتكافئ للموارد ،قصد التقليص من التفاوتات بينها". 9 بشكل حاسم في التنمية الشاملة واملندمجة للبالد ،وفي االستثمار المثل للمؤهالت واملوارد الذاتية لكل جماعة ترابية .فتوزيع االختصاصات التنموية يلخص مجمل ما قد يهم تدبير وتسيير الشؤون واملصالح الترابية ،ويضع القواعد الساسية واإلطار الوظيفي العام وسياق االشتغال وأساس االستقالل املالي واإلداري والتدبيري لهذه الهيئات الالمركزية( .)12ومن املكتسبات أيضا نجد اعتماد الرؤية االستراتيجية والتدبير بالهداف ،فهذا الخير يساهم في الرقي بمستوى الخدمات الترابية إسوة بالدول املتقدمة في هذا املجال ،والتي اتخذت من التدبير االستراتيجي أسلوبا لها في تدبير الشأن العام الترابي .فالهدف هو تحقيق الفعالية والنجاعة في ممارسة اختصاصات الجماعات الترابية وتدبيرها ،والحرص على أن يتجلى ذلك في الداء والتصرف المثل بالوسائل تفعيال ملجموعة من املعايير املتفق عليها بين الدولة والجماعات الترابية ،مع مراعاة خصوصيات كل جماعة ترابية ورسم دقيق لهداف قابلة للقياس. املطلب الثاني :مساءلة و اقع الجهوية باملغرب :التحديات واآلفاق املستقبلية راهن املغرب منذ سنوات االستقالل الولى على الخيار الالمركزي كأسلوب من أساليب التنظيم اإلداري ،متوخيا فسح املجال لوحدات ترابية المركزية لتضطلع بمسؤولية تدبير الشؤون الترابية بكل أبعادها السياسية ،االقتصادية ،االجتماعية ( )12بلقزبور المصطفى " ،توزيع االختصاص بين الدولة والجهات أي نموذج ممكن في مغرب الجهات؟" ،السلسلة المغربية لبحوث اإلدارة واالقتصاد والمال ،العدد 1سنة ،2011ص .127 10 والبيئية .حيث توصل املغرب إلى مشروع الجهوية املتقدمة ،كإطار مالئم لبلورة استراتيجية موازية للمتطلبات التنموية ،لتنفيذ توجهات الدولة القائمة على تعبئة املوارد والطاقات املحلية ،من أجل ترسيخ الديموقراطية وتطوير البناء الجهوي. ففي ظل العديد ممن املكتسبات التي حققها مشروع الجهوية املتقدمة ،فإن تنفيذها ال يخلو من التحديات ،فمن بين هذه التحديات نجد التفاوت في القدرات واملوارد بين الجهات املختلفة ،مما قد يؤدي إلى استمرار الفوارق التنموية ،كما أن هناك حاجة إلى تعزيز التنسيق بين مختلف مستويات الحكم (املركزي ،الجهوي) لضمان تناغم السياسات والبرامج .وتعتبر مسألة تشخيص الصعوبات التي تعترض منظومة الجهوية املتقدمة ،أولى الخطوات التي يجب القيام بها من أجل حصرها والعمل على إيجاد حلول لها (الفقرة األولى) ،وبالتالي خلق املناخ الذي يساعد على نجاح مشروع الجهوية املتقدمة باملغرب (الفقرة الثانية). الفقرة األولى :تحديات نجاح مشروع الجهوية باملغرب يعتبر تدبير الشأن العام الترابي مجاال خصبا لتدخل مجموعة من الجهات في صنع السياسات العمومية ،فالقرار الترابي هو صناعة جماعية لفريق من الفاعلين تختلف مساهمة كل واحد منهم حسب درجة تدخل كل فاعل على حدى ،ما يصعب معه تحديد طبيعة املشاركة في عملية إنتاج القرار، 11 فهناك عدة قنوات يمر بها القرار قبل أن يصل إلى نهايته ،حيث توجد مجموعة من الهيئات الرسمية املتدخلة في هذه العملية ،إضافة إلى فاعلين غير رسميين مشاركين في صناعة السياسات العمومية الترابية (.)13ونظرا لتعدد الفاعلين في تدبير الشأن العام الترابي تطفو إشكالية العالقة ما بين الدولة والجماعات الترابية في تحديد وتوزيع املهام ،فعملية بلورة السياسات العمومية للجماعات الترابية تعاني من إشكالية تداخل االختصاصات وتحديد الدوار وتوضيح املهام ورسم حدود تدخل كل فاعل في عملية اتخاذ القرار الترابي ،وهذا راجع إلى غموض التشريع الذي أدى إلى تداخل االختصاصات وإلى تعدد املتدخلين في إعداد وتنفيذ مختلف املشاريع والبرامج العمومية. وهذا أيضا في ظل إشكالية البحث عن وسائل تمويل السياسات العمومية تجد الجماعات الترابية نفسها في وضعية صعبة ما يجعل أغلبيتها ال تستطيع تنفيذ سياساتها العمومية وتلبية أهداف التنمية ،وتثار اإلشكالية املتعلقة باملوارد املالية املرتبطة بالتخطيط الترابي تعكس واقع الجماعات الترابية ،هذه الخيرة التي ال تملك فعليا الوسائل القانونية الواضحة واآلليات واملساطر املالية لوضع وتنفيذ البرامج التنموية ،وهو ما يحد بشكل كبير من قدرة الوحدات الالمركزية على ممارسة اختصاصاتها التنموية وفق هذه املقاربة .إن الساس املالي يعد من أهم شروط تنزيل ( )13شنفار عبد هللا" ،الفاعلون المحليون والسياسات العمومية المحلية :دراسة في القرار المحلي" ،م س ،ص.193 : 12 املخططات الترابية ونجاحها ،فالنظام القانوني للتخطيط يسمح بتنزيل عملي وواقعي للبرامج التنموية ويؤسس ملناهج ومقاربات وضع املخططات وتنفيذها وتقييم نتائجها ،وإذا كانت اإلشكاالت املالية تتعلق بمتطلبات االستقالل املالي للجماعات الترابية ومدى قدرتها على برمجة نشطاها. ويعاني واقع التدبير بالجهة من العديد من االكراهات املالية التي تؤثر بشكل سلبي في تحقيق أهداف التنمية وتفعيل الديموقراطية الترابية ،ويجعل الجهوية نظاما شكليا يفتقر إلى الشروط الالزمة لتحقيق تدبير جهوي تنموي فعال وناجع .وتتجلى االكراهات املالية في هشاشة املوارد املالية للجهة وهزالتها ،وضعف االنفاق الجهوي، وعدم استقاللية القرار املالي الجهوي .وفي هذا الصدد تعتبر مسألة التمويل أحد شروط تنفيذ املخططات االستراتيجية وتنزيل إجراءاتها العملية وترجمة مقتضياتها إلى عمليات مالية ،فالقدرة على التمويل الذاتي للمخططات التنموية ووضوح املوارد املحولة أو املخصصة للتنمية الترابية تعد أحد أسس نجاح عملية التخطيط الترابي، وفي شموليتها تبقى رهينة بتحقيق الهداف التنموية وتنفيذ املخططات العملية وفق ما سطر لها .فالساس املالي للتخطيط يرتكز على التأسيس القانوني لنظام مالي يتالءم مع التخطيط الترابي ،حتى يمكن تنزيل مقتضياته على شكل خطط عملية تجد أسسها املالية في امليزانية السنوية ،وقد ارتبط التخطيط التنموي تاريخيا 13 بضرورة معالجة االختالالت التي قد تطال التسيير املالي وبإكراهات التدبير التنموي الترابي املعتمد على برمجة امليزانية. ونشير هنا لكون املوارد املحولة من طرف الدولة ال تسمح بتقليص التفاوتات فيما يخص املوارد املالية ،بل على العكس من ذلك يبدو أن هذه الفوارق تزداد بعد هذه التحويالت ،وهذا ما يتضح من خالل استحواذ خمس جهات على نسبة 51 %من إمدادات الدولة كما أن التحويالت تكون أكثر في اتجاه الجهات الكثر غنى .فمن بين أهم أسباب هذا االختالل توزيع نسبة 37.5%على أساس معيار عدد السكان في حين هناك تفاوتات ديمغرافية بين الجهات .وفي ختام هذه النقطة تتميز ممارسة الجماعات الترابية الختصاصاتها بطابع عدم كفاية املوارد املالية املتوفرة ،بالرغم من االصالحات واملجهودات املبذولة ،بسبب تعدد املعيقات والصعوبات التي يتداخل فيها السياس ي واالقتصادي واالجتماعي الذي نتج عنه عدة ظواهر سلبية تتجلى في التأثير على تقييم السياسة املالية للجماعات الترابية. فاملالحظ أيضا على مستوى االنفاق الترابي ،أن نفقات التسيير يصعب اإلحاطة بها كلها نظرا الرتباطها بالتدبير اليومي للجماعات الترابية ،نشير مثال إلى تعدد نفقات املوارد البشرية لتشمل العديد من التعويضات واملكافآت فضال 14 عن النفقات التسييرية الخرى (الرواتب -التعويضات -أقساط التأمين- مساهمتها في هيئات االحتياط االجتماعي لصناديق التقاعد -نفقات التعاضدية ،نفقات الرئيس ،تحمالت املعدات املرتبطة بتسيير املرافق التابعة للجماعات الترابية ،)....إضافة إلى املخصصات املرصودة لتسيير الوكاالت الجهوية لتنفيذ املشاريع بالنسبة للجهات .وما يالحظ أيضا أن املستوى الذي تسجله بعض أصناف نفقات التسيير يبقى غير مبرر في عدد كبير من الجهات سواء من الناحية املالية أو الوظيفية( ،)14فالجانب اإلداري الزال يغطي نسبة كبيرة ضمن مجموع اإلنفاق الترابي ،وهو ما يجعل الجماعات الترابية وحدات تميل إلى االستهالك أكثر يفاقم وضعية العجز بها ،ومثال ذلك الخصاص الذي تعاني منه قطاعات أخرى على حساب مصاريف تنقل رئيس املجلس املنتخب داخل وخارج الوطن. ومن اإلشكاليات أيضا نجد الجانب املتعلق بالصراع السياس ي الذي تعرفه املجالس املنتخبة ،ومدى قدرتها على االحتفاظ واستمرار التحالفات ،فالتجارب السابقة وحتى التجربة الحالية التي نحن في منتصفها ،أبانت عن بروز تصادمات وصراعات داخل املجالس املنتخبة خالل انعقاد دورات املجالس املنتخبة التي تظهر خاللها ممارسات ال أخالقية ،وأصبحت هذه الخيرة بمثابة حلبة للصراع والسب ( )14الفحصي لمهدي" ،قراءة في بعض مظاهر اختالالت التدبير اإلداري ومعيقات التنمية الترابية والحكامة الجيدة"، المجلة المغربية للقانون اإلداري والعلوم اإلدارية ،عدد مزدوج 2ـ ،3السنة ،2017ص.85 : 15 والشتم ،حتى أصبحنا نشاهد مظاهر تمس هيبة ومكانة وأهداف هذه الدورات، الش يء الذي يعيق مسار التنمية ويحد من ممارسة املنتخب لوظائفه التي أنتخب من أجلها. فواقع التدبير الرابي يعرف أزمة تمثيلية مؤسساتية للمحيط ،وللمحيط الجهوي تحديدا ،مما ال يسمح بالتأسيس لعالقة تفاعلية بين املواطن والجهة قائمة على االحساس باالنتماء الفعلي لهذا الفضاء سوسيو الثقافي ،وهنا نستحضر الدور السلبي للتقطيع الترابي ،وخصوصا غير القار ،يجعلنا كل مرة أمام جهات مختلفة كليا عن سابقاتها .أزمة التمثيلية املؤسساتية للمحيط ،ناتجة أيضا عن أزمة الشرعية التي تعانيها املؤسسات املنتخبة على الصعيد الترابي ،والناتجة عن غياب ضمانات الشفافية والنزاهة في العمليات االنتخابية ،ونخب محلية غير قادرة على تدبير الشأن الترابي مما يكرس سلطة رقابة املركز عن املحيط أزمة إطار مؤسساتي مفتقد قانونيا وفعليا لكل عناصر االستقاللية والفاعلية في عالقته باملركز استقاللية مؤسساتية ،استقاللية مالية ،استقاللية وظيفية مما يجعله غير قادر على تمثيل وحماية مصالح املحيط. الفقرة الثانية :اآلفاق املستقبلية لنجاح تجربة الجهوية التقدمة 16 إذا كان املغرب قد حاول عن طريق نظامه القانوني كفالة االستقالل املالي للهيئات الترابية ،خصوصا في ظل توسيع االختصاصات واملهام املوكولة للجماعات الترابية .فإن واقع للجماعات الترابية ال زال يعرف خصاص مالي تعاني منه ،فالنقص في املوارد املالية الذي تعاني منه الجماعات الترابية يجعلها تعيش اختناقا ماليا خصوصا مجالس العماالت والقاليم وكذا أغلب الجماعات ،مقارنة مع وضعية مجالس الجهات التي تتوفر على موارد مالية مهمة ،سواء الذاتية أو املحولة لها من طرف الدولة ،وكذا املوارد االستثنائية التي يمكنها االستفادة منها. فال شك أن التمويل الذاتي يشكل أحد العناصر الساسية التي تمكن الجماعات الترابية من القيام بنشاطها ،فهذا الخير يعد أحد املعايير الرئيسية التي تقاس بها درجة االستقالل املالي للجماعات الترابية حتى يتسنى تحقيق إكتفائها الذاتي .لذلك يجب العمل على تمكين الجماعات الترابية من التحكم في املوارد املالية خاصة الذاتية نظرا لألهمية البالغة لهذه املسألة ،إذا ما أريد بالجماعات الترابية أن تساهم عبر البرمجة والتخطيط في النهوض بالتنمية على املستوى الترابي واالستفادة من نتائجها وطنيا ،وحتى تكون قادرة على تحقيق املشاريع والشغال املسطرة لتلبية الحاجيات الساسية للسكان. 17 ويعتبر ورش الرقمنة وإضفاء الطابع الالمادي على عمليات الجماعات الترابية من أولويات انشغاالت وزارة الداخلية( ،)15حيث أصبح واجبا على الجماعات الترابية االنخراط في هذا الورش بغية تحقيق نجاعة أكثر في إعداد وتنفيذ وتقييم التدبير املالي ،وإرساء التدبير القائم على النتائج ،ومنهجية النجاعة في الداء وبلورة مبادئ التقييم ،باعتبار أن الرفع من مردودية الداء للخدمات التي تقدمها املجالس املنتخبة يكون مقرونا مباشرة بالتدبير املالي الجيد. فتدبير الجماعات الترابية ينبغي أن تصبح كل مراحله مرقمة سواء تعلق المربمرحلة اإلعداد أو مرحلة التنفيذ بدءا من االلتزام حتى الداء ،وهذا لضمان التحكم في مساطر وإجراءات تنفيذ السياسة املالية للجماعات الترابية ،فعملية إدخال املعلوميات بوسائلها املتنوعة إلى الجماعات الترابية أصبح مؤكدا ،باعتبارها من اآلليات املهمة التي ستمكن من تحسين وإرساء عالقات متميزة بين مختلف الفاعلين ،فكثرة املعلومات وقلة الوقت املتاح الستهالكها يتطلب استخدام التكنولوجيا الحديثة (.)16 ()15دورية وزير الداخلية عدد D7175بتاريخ 26أكتوبر ،2021حول رقمنة المساطر وخدمات الجماعات الترابية. ()16جفري مراد " ،الثورة الرقمية وتأثيراتها على اإلدارة العمومية بالمغرب" ،مجلة قانونك، اإللكترونيhttps://www.9anonak.com/2017/01/Revue.9anonak.N-1.janvier-mars.2017-Art-03.html 18 الموقع فأمام الحقيقة العملية التي ربطت نجاح الجماعات الترابية في أداء مهامها بكفاءة التدبير الجيد للموارد البشرية ،يتأكد الدور املحوري للدولة في مساعدة الجماعات الترابية على تحسين أنظمتها املعلوماتية وتدعيمها بالطر املؤهلة .حيث تطورت أهمية العنصر البشري في عملية تنفيذ وتقييم السياسات العمومية الترابية ،إذ يقع على عاتقه ترجمة الخطة والبرامج إلى عمل وإنتاج ،وهو ما يتطلب ضرورة مواكبة هذا التطور املعلوماتي داخل الجماعات الترابية(.)17وبغية االنخراط الفعال في الورش اإلصالحي للجماعات الترابية ،فالعنصر البشري يعتبر القلب النابض لكل بنيان إداري والعمود الفقري لكل عملية إصالحية وتحديثية للتدبير اإلداري واملالي للجماعات الترابية (.)18وتشكل املوارد البشرية دعامة أساسية لنجاعة تدبير مالية للجماعات الترابية. وتعتبر اعتماد التقييم أهم مقومات التدبير التي ينبغي العمـل بها كمنهجية عمل ،تهدف إلى رفع مؤشرات الفعالية والجودة والنجاعة بالجماعات الترابية ،وجعلها قادرة عن اإلجابة على إشكاليات التنمية الترابية ،وبالتالي الرفع من أدائها وجعله أكثر نجاعة من حيث مساهمته في التوظيف المثل لإلمكانيات املالية والتقنية والبشرية وتخطي تبديدها دون نتائج واضحة .وقد خصصت ()17الزبير هشام" ،ميزانية النتائج ورهان إصالح المالية العمومية بالمغرب" ،م س ،ص .280 ()18ابن كيران اشرف" ،تدبير مالية الجماعات الترابية والتنمية المستدامة" ،م س ،ص .255 19 القوانين التنظيمية املتعلقة بالجماعات الترابية قسما( )19كامال يتعلق بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر لهذه الوحدات الترابية ،وحددت اإلجراءات واآلليات التي تمكن من التنزيل السليم لها ،وتتمثل الغاية في تحقيق تدبير أمثل وأفضل للجماعات الترابية .فالدولة ملزمة بأن تضع خالل مدة انتداب املجالس املنتخبة املوالي ـة لنشر هذا القانون التنظيم ـي في الجري ـدة الرسميـة اآلليات والدوات الالزمة ملواكبة ومساندة الجماعات الترابية لبلوغ حكامة جديدة في تدبير شؤونها وممارسة االختصاصات املوكولة إليها .فمبدأ التدبير الحر تم ربطه بمبدأ الحكامة ،بمعنى أن مبدأ التدبير كما حددته النصوص القانونية ذو جانب تدبيري أي له عالقة بالحكامة بكل أبعادها التدبيرية واإلدارية ،وربطته بحسن التدبير بتنصيصها على التدابير املتعلقة بالتدقيق املالي وبتعزيز شفافية الولوج(.)20 ويمثل تفعيل مبدأ التدبير الحر للشأن العام الترابي أحد أهم مظاهر الالمركزية الترابية في بعدها الحكماتي التي أقرها دستور 2011في أكثر من مرة، حيث يخول بمقتض ى هذا املبدأ لكل جماعة ترابية في حدود اختصاصاتها ()19الباب الثامن من القانون التنظيمي رقم 111.14المتعلق بالجهات ،ونفس الصيغ تم إعادة صياغتها على مستوى القانون التنظيمي رقم 112.14المتعلق بالعماالت ،وكذا القانون التنظيمي رقم 113.14المتعلق بالجماعات. ( )20أدمينو عبد الحفيظ " ،التدبير الحر من خالل النص الدستوري :الخلفيات األبعاد والمتطلبات" ،اشغال لقاء دراسي نظمه فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب حول " التدبير الحر للجماعات الترابية بين النص القانوني وواقع الممارسة" ،يوم 29 اإللكتروني موقع على منشورة ،2019 يناير https://www.pjdgroupe.ma/sites/default/files/publication/5dad8d4390380%5B1%5D.pdf 20 سلطة التداول بكيفية ديمقراطية وسلطة تنفيذ مداوالتها ومقرراتها .إذ ال يمكن تدبير الشأن الترابي من دون قيادة سياسة تتجلى في السلطة املنتخبة املتمثلة في املجالس املنتخبة التي تتخذ التدابير وتحدد املشاريع والبرامج واإلنجازات التنموية من مقرراتها بالدورات العادية واالستثنائية ،والتي ينبغي أن تبلغ الفعالية والنجاعة في تنفيذها من خالل تطابق النتائج املحققة مع الهداف ومن ثم ينبغي أن تتجسد على أرض الواقع(.)21 فالجماعات الترابية في ظل تفعيل مبدأ التدبير الحر تعتبر القائد املخطط االستراتيجي للتنمية الترابية ،وذلك لتوفرها على صالحيات وضع وتتبع البرامج التنموية ،وهذا يجعل منها مجالسا للتدبير في إطار النظرة الجديدة التي لم تعد تعتبر التراب جزءا من املجال الطبيعي بقدر ما أصبح نمطا مفتوحا للعالقات والتفاعالت واإلنتاج( .)22وحيث يعتبر مبدأ التدبير الحر آلية مهمة وفعالة لربح الرهانات املطروحة ،فيما يتعلق بتنمية الجماعات الترابية وجعلها أقطابا للتنمية. فمشروع الجهوية املتقدمة من شأنه املساهمة في التنمية االقتصادية واالجتماعية للمغرب ،ويستوجب االنخراط القوي ملختلف الفاعلين املعنيين ،سواء ()21زهرو رضوان " ،التدبير الحر للشأن الترابي" ،مجلة مسالك في الفكر والسياسة واإلقتصاد ،العدد 33-34سنة ،2015 ص .2 ( )22عالوي عبد الخالق " ،مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية وإعداد التراب في ضوء دستور ،"2011المجلة المغربية لإلدارة المحلية والتنمية ،عدد 115سنة ،2014ص .156 21 على املستوى الترابي ،نجد أهمية تقوية قدرات املنتخبين وموظفي االدارات الترابية، لجعل املجالس الجهوية فاعال أساسيا في مسلسل التنمية الترابية ،داعيا املجالس إلى حث املواطنين على املشاركة في التصور والعمل السياس ي ،مع تطبيق مبدأ املحاسبة. وقد جاءت الجهوية املتقدمة كإعادة نظر في الدوار الجديدة للدولة بما يتيح تقاسم املسؤوليات بينها وبين الجهات ،وبالتالي فإن تحديث بنية هياكل السلطة املركزية والالمركزية وإعادة النظر في عالقتها نحو تكريس التدبير التشاركي ،دون اإلخالل بصالحية السلطة العمومية التي تمكنها من ضمان سيادة القانون وصدارة السياسة الوطنية على الترابية .وتعد الخطب امللكية السامية أهم مرجعية بنيت عليها الجهوية املتقدمة ،ومن هذا املنطلق أخذت حيزا كبيرا من اهتمام الدوائر العليا للدولة نظرا لهميتها على مختلف الصعدة ،هذه املكانة توطد صيتها مع الدستور الجديد لسنة 2011الذي أوضح دورها التنموي الكبير على املستوى املحلي والوطني. وفي الختام تعد الجهوية اليوم من أبرز السمات التي تميز االنظمة السياسية واالدارية املعاصرة ،وهي شكل جد متطور لنظام الالمركزية ،ووسيلة ديمقراطية مثلى إلشراك الساكنة في تدبير شؤونهم من خالل مؤسسات جهوية ومحلية تحظى بصالحيات واسعة وإمكانيات بشرية ومادية هامة دون املس بسيادة وكيان الدولة. 22 فالرهان على الجهوية اليوم رهان على التنمية الشاملة ،رهان على تحديث البنية املؤسساتية للدولة ،ملا ستتيحه الجهوية من تحقيق التقدم والتطور االقتصادي واالجتماعي لكافة املناطق عبر وضع مخططات واستراتيجيات مختلفة وبرامج ملكافحة االختالالت والفوارق املجالية واالجتماعية. ولهذا بات واجبا البحث في مسالك االستدراك واستراتيجيات التجاوز ،والتي تبقى ممكنة ومتاحة ال ينقص سوى مباشرتها بشكل جريء وبإرادة سياسية وحس مسؤول .إن من شأن بناء جسور وعالقات جديدة بين النخب السياسية واالدارية بالفضاءات املحلية والجهوية أن يعيد الكثير من االشياء إلى نصابها. وختاما فالجميع يتطلع إلى بلورة اإلرادة امللكية السامية الرامية لتمكين املغرب من جهوية متقدمة ،ديمقراطية الجوهر ّ مكرسة للتنمية املستدامة واملندمجة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيـا وبيئيـا ،تكـون مدخال إلصالح عميق لهياكل الدولة من خالل السـير الحثيـث املت ـ ـدرج علـى درب الالمركزيـة والالتمركز الفعليين النافذين، والديمقراطي ـة املعمق ـة ،والتحديث االجتماعي والسياس ي واإلداري للـبالد ،والحكامة الجيدة .وتكتس ي التوجيهات السامية لجاللة امللك محمد السادس الواردة في خطبه بشأن ه ـذه الهداف داللة ،فهي تمثل بالنسبة للدولة واملواطنين والفـاعلين السياسـيين قوة من حيث العزم واإلقدام والواقعية والهيئات املنتخبة على كل املستويات مرجعية فلسفية وتاريخية وعملية للجيـل الحاضـر ولألجيـال الالحقة .وقد 23 جعلتها اللجنة االستشارية للجهوية مص ـدر إلهام لها ،فمن تحليـل مضـامينها املتبصـر انطلقت وعلى التفكير املسترسل في أبعادها اعتمدت ،وبتبني مراميها التزمت ،ساعية لبلورتهـا فـي جملة من املقترحات الواضحة امللموسة قدر اإلمكان. إن تجربة الجهوية املتقدمة في املغرب تمثل مشروعا طموحا للتحول نحو نموذج تنموي أكثر شمولية وعدالة ،ورغم التحديات الكبيرة التي تواجهها ،فإن هذه التجربة تحمل في طياتها إمكانات واعدة لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة على املستوى الترابي ،ويبقى النجاح في تحقيق هذه الهداف مرهونا بمدى قدرة جميع الفاعلين على العمل بشكل تشاركي ومتكامل ،وتجاوز العقبات والتحديات بروح من االبتكار واملسؤولية املشتركة. 24
0
You can add this document to your study collection(s)
Sign in Available only to authorized usersYou can add this document to your saved list
Sign in Available only to authorized users(For complaints, use another form )