Uploaded by ahmed serier abdelouahab

فقه مالكي وأصوله التشريع الجنائي عند المالكيةم س1 مح3-converti

advertisement
‫فقه مالكي وأصوله م س‪ 1‬المحاضرة الثالثة‪:‬‬
‫شروط تعتبر في طريقة أخذ المسروق‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن يأخذ السارق المال بعد هتك الحرز (‪:)2‬‬
‫ال يعتبر مجرد األخذ سرقة عند جمهور الفقهاء‪ ،‬إال إذا نتج عن هتك الحرز‪ ،‬كأن‬
‫يفتح السارق أغالله ويدخل‪ ،‬أو يكسر بابه أو شباكه‪ ،‬أو ينقب في سطحه أو‬
‫سده شخص نائم‪ ،‬أو‬
‫جداره‪ ،‬أو يدخل يده في الجيب ألخذ ما به‪ ،‬أو يأخذ ثوبًا تو َّ‬
‫نحو ذلك؛ وال يشترط عند الجمهور ‪ -‬خالفًا للحنفية ‪ -‬دخول السارق الحرز‬
‫لتحقيق األخذ وهتك الحرز‪ ،‬فدخول الحرز ليس مقصودًا لذاته‪ ،‬بل ألخذ المال‪،‬‬
‫فإذا تحقق المقصود بمد اليد داخل الحرز وإخراج المال‪ ،‬كان ذلك كافيًا في هتك‬
‫الحرز وأخذ المال‪.‬‬
‫عا‪ ...« :‬حتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر‬
‫ويؤيده ما في حديث جابر مرفو ً‬
‫قصبه في النار‪ ،‬وكان يسرق الحاج بمحجنه‪ ،‬فإذا فُطن له قال‪ :‬إنما تعلَّق‬
‫بمحجني؛ وإن غفل عنه ذهب به» (‪.)3‬‬
‫‪ - 2‬أن يأخذ المال ُخفية‪:‬‬
‫واستتارا‪ ،‬بأن يكون ذلك‬
‫يشترط الفقهاء إلقامة حد السرقة أن يؤخذ الشيء خفية‬
‫ً‬
‫دون علم المأخوذ منه ودون رضاه‪ ،‬وقد نقل ابن حزم إجماع األمة على أن‬
‫السرقة هي االختفاء بأخذ الشيء ليس له‪ ،‬وأن السارق هو المختفي‪ .‬اهـ‪.‬‬
‫س ِّمي‪ :‬مغالبة أو نهبًا أو خلسة أو اغتصابًا أو‬
‫فإن أخذه على سبيل المجاهرة ُ‬
‫انتهابًا‪ ،‬ال سرقة‪.‬‬
‫وإن حدث األخذ دون علم المالك أو من يقوم مقامه ثم رضي فال سرقة (‪.)4‬‬
‫ولهذا ال يعتبر الفقهاء الخائن (‪ )1‬وال المختلس (‪ )2‬وال المنتهب (‪ )3‬سارقًا‪،‬‬
‫فال يوجبون عليه القطع‪ ،‬وإن وجب التعزير‪ ،‬ويحتجون بحديث جابر ‪ -‬رضي هللا‬
‫عنه ‪ -‬أن النبي ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬قال‪« :‬ليس على خائن‪ ،‬وال منتهب‪ ،‬وال‬
‫مختلس قطع» (‪.)4‬‬
‫‪1‬‬
‫وقد تقدم ‪ -‬في الشبهات حول قطع السارق ‪ -‬وجه الحكمة في قطع السارق دون‬
‫الغاصب والمنتهب والمختلس‪.‬‬
‫‪ - 3‬إخراج المسروق من الحرز (‪:)5‬‬
‫اتفق جمهور الفقهاء على وجوب إخراج المسروق من الحرز لكي يقام حد‬
‫السرقة‪ ،‬فإن كانت السرقة من حرز بالحافظ‪ ،‬فيكفي مجرد األخذ‪ ،‬حيث ال اعتبار‬
‫للمكان في الحرز بالحافظ‪.‬‬
‫وإن كانت السرقة من حرز بنفسه فالبد من إخراج المسروق من المكان المعد‬
‫لحفظه‪ ،‬فإذا ضبط السارق داخل الحرز قبل أن يخرج بما سرقه‪ ،‬فال يقطع‪ ،‬بل‬
‫َّ‬
‫يعزر‪ ،‬وفي هذا آثار عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وعمر‬
‫بن عبد العزيز‪ ،‬ذكرها ابن حزم في «المحلي» (‪ )320 /11‬وفي أسانيدها مقال‪،‬‬
‫وذكر خالفه عن عائشة وابن الزبير وغيرهما‪.‬‬
‫ويشترط الحنفية إلقامة الحد أن يخرج السارق بالمال من الحرز‪ ،‬فلو رمي بالمال‬
‫خارج الحرز‪ ،‬ثم لم يتمكن هو من الحرز‪ ،‬أو خرج فلم يجد المال الذي رماه‪ ،‬فال‬
‫يقام عليه الحد عندهم‪ ،‬بل َّ‬
‫يعزر‪.‬‬
‫وأما الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة‪ ،‬فقد اتفقوا على أن إخراج‬
‫المسروق من حرزه ومن حيازة المسروق منه يستتبع حت ًما إدخاله في حيازة‬
‫ً‬
‫إدخاال فعليًّا أو حكميَّا ‪ -‬كما في المثال السابق ‪ -‬وبالتالي يجب عليه‬
‫السارق‬
‫القطع‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهو األرجح وهللا أعلم‪.‬‬
‫فائدة‪ :‬إذا لم تتم السرقة‪ ،‬فال يقام الحد عند جمهور الفقهاء‪ ،‬لكنهم يوجبون التعزير‬
‫تكون بمجموعها جريمة السرقة‪ ،‬ليس باعتباره‬
‫على من يبدأ في األفعال التي ِّ‬
‫عا في السرقة‪ ،‬ولكن باعتباره مرتكبًا لمعصية تستوجب التعزير (‪.)1‬‬
‫شار ً‬
‫االشتراك في السرقة‪:‬‬
‫إذا اشترك جماعة في سرقة مال من حرز (‪:)2‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ - 1‬فإن كانت قيمة المسروق لو قسمت عليهم بلغ نصيب كل منهم النصاب‪ :‬فإنه‬
‫يقام الحد علميهم جميعًا بال خالف بين الفقهاء‪ ،‬واشترط الشافعية أن يشتركوا‬
‫جميعًا في إخراجه من الحرز‪ ،‬وإال فإنه ال يُحد عندهم إال من اشترك في إخراج‬
‫المسروق‪.‬‬
‫‪ - 2‬وإذا بلغت قيمة المسروق نصابًا لكن ال تكفي ليصيب كل واحد نصابًا‬
‫فاختلف العلماء في قطعهم‪:‬‬
‫فقال الحنفية والشافعية‪ :‬ال قطع على أحد منهم‪ ،‬وإنما َّ‬
‫يعزرون‪.‬‬
‫وقال المالكية والحنابلة‪ :‬يُقطع الجميع‪ ،‬سواء كان االشتراك في اإلخراج أو كان‬
‫بإخراج البعض وإعانة البعض اآلخر‪ ،‬وسواء حدثت اإلعانة بفعل مادي‬
‫(كاإلعانة على حمل المسروق) أو بفعل معنوي (كاإلرشاد إلى مكان المسروق)‬
‫أو لم يأت بعمل ما (كمن دخل الحرز مع السارق لتنبيهه إذا انكشف أمره) ألن‬
‫فعل السرقة يضاف إلى كل واحد منهم‪.‬‬
‫أما إذا لم يحصل تعاون بأن استقل كل واحد بإخراج بعض المسروق‪ ،‬فال يقام‬
‫ً‬
‫كامال‪.‬‬
‫الحد إال على من أخرج نصابًا‬
‫قلت‪ :‬األظهر أنهم إن اشتركوا في سرقة نصاب واحد قُطعوا سواء أخرجوه‬
‫جملة‪ ،‬أو أخرج كل واحد جز ًءا‪ ،‬وهو اختيار شيخ اإلسالم‪ ،‬فالحاجة إلى الزجر‬
‫عن سرقة المال موجودة فوجب القطع‪ ،‬وهللا أعلم‪.‬‬
‫عقوبات السارق‬
‫الحديَّة‪:‬‬
‫(أ) العقوبة ِّ‬
‫اتفق أهل العلم على أن ح َّد السارق قطع يده‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬والسارق والسارقة‬
‫فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكاال من هللا وهللا عزيز حكيم} (‪.)1‬‬
‫وهو الحد الذي أقامه النبي ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬على من سرق في عهده كما‬
‫تواترت األخبار بذلك‪ ،‬وجرى عليه عمل الخلفاء الراشدين دون اعتراض عليهم‪،‬‬
‫وأجمعت عليه األمة (‪.)2‬‬
‫‪3‬‬
‫لكنهم اختلفوا في أمور تتعلق بمحل القطع ومقداره‪ ،‬وكيفيته‪ ،‬وتكرره مع تكرار‬
‫السرقة‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬وإليك بيان أهم هذه األمور‪:‬‬
‫‪ - 1‬محل القطع (‪:)3‬‬
‫إذا ثبتت السرقة األولى‪ ،‬فقد اتفق الفقهاء ‪ -‬إال ابن حزم ‪ -‬على وجوب قطع اليد‬
‫اليمنى‪ ،‬قالوا‪ :‬لما ُروي عن النبي ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬أنه قطع اليد اليمنى‬
‫(‪ )4‬وكذلك فعل األئمة من بعده‪ ،‬ولقراءة عبد هللا بن مسعود‪« :‬فاقطعوا أيمانهما»‬
‫وهي قراءة مشهورة عنه‪ ،‬ولم يجمع على أنها قرآن لمخالفتها للمصحف اإلمام‪،‬‬
‫مشهورا‪ ،‬فيقيد إطالق النص ‪ ..‬ولو كان اإلطالق مرادًا‬
‫خبرا‬
‫ً‬
‫فكانت ً‬
‫واالمتثال لألمر في اآلية يحصل بقطع اليمين أو الشمال‪ ،‬ل َما قطع النبي ‪ -‬صلى‬
‫هللا عليه وسلم ‪ -‬إال اليسار على عادته من طلب األيسر لهم ما أمكن‪ ،‬جريًا على‬
‫عادته ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬في أنه‪« :‬ما ُخ ِّير بين أمرين إال أخذ أيسرهما ما‬
‫لم يكن إث ًما» (‪.)1‬‬
‫وذهب ابن حزم إلى أن قطع اليمين مستحب وليس بواجب‪ ،‬ور َّد دعوى اإلجماع‬
‫بفعل علي ‪ -‬رضي هللا عنه ‪ ،-‬فعن ابن عمر قال‪« :‬سرق سارق بالعراق في‬
‫زمان علي بن أبي طالب‪ ،‬فقدم ليقطع يده‪ ،‬فقدَّم السارق يده اليسرى ولم يشعروا‬
‫فقطعت فأخبر علي بن أبي طالب خبره‪ ،‬فتركه ولم يقطع يده األخرى» (‪.)2‬‬
‫فإذا كانت اليمنى غير صحيحة‪:‬‬
‫بأن كانت َّ‬
‫شالء أو ذهب أكثر أصابعها‪ ،‬فاختلفوا في محل القطع‪:‬‬
‫‪ - 1‬فقال الحنفية‪ :‬تقطع ألن القطع متعلق بها؛ وألنه إذا تعلق الحكم بالسليمة فإنها‬
‫تقطع‪ ،‬فألن تقطع المعيبة من باب أولى‪.‬‬
‫‪ - 2‬وقال المالكية‪ :‬ال يجزئ قطع المعيبة؛ ألن مقصود الحد إزالة المنفعة التي‬
‫يستعان بها على السرقة‪ ،‬والشالء وما في حكمها ال نفع فيها فال يتحقق مقصود‬
‫الشرع بقطعها‪ ،‬ألن منفعتها التي يراد إبطالها باطلة من غير قطع‪ ،‬ولذا ينتقل‬
‫القطع إلى الرجل اليسرى‪ ،‬وهذا قول للشافعية ‪ -‬في مقطوعة األصابع كلها ‪-‬‬
‫ورواية عن الحنابلة‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫‪ - 3‬وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬يجزئ قطع اليمين إذا كانت شالَّء إال إذا خيف من‬
‫قطعها أال يكف الدم وال يرقأ‪ ،‬فحينئذ ينتقل القطع إلى الرجل اليسرى‪.‬‬
‫وإذا كانتا اليمين مقطوعة‪ :‬سواء بآفة أو جناية أو قصاص‪ ،‬فذهب الجمهور ‪-‬‬
‫خالفًا للحنفية ‪ -‬إلى انتقال القطع إلى الرجل اليسرى‪ ،‬إذا ذهبت اليد اليمنى قبل‬
‫السرقة‪ ،‬وإلى سقوط الحد إذا ذهبت بعد السرقة سواء كان ذهابها قبل الخصومة‬
‫أو بعدها‪ ،‬وقبل القضاء أو بعده‪ ،‬ألنه بمجرد السرقة تعلق القطع باليد اليمنى‪ ،‬فإذا‬
‫ذهبت زال ما تعلق به القطع فسقط‪.‬‬
‫وكذلك قال الحنفية إذا كان زوال اليمنى ولو بعد السرقة قبل المخاصمة‪ ،‬أما‬
‫لو ذهبت اليد اليمنى بعد المخاصمة وقبل القضاء أو بعد المخاصمة والقضاء‬
‫فيسقط الحد عندهم (‪.)1‬‬
‫‪ - 2‬موضع القطع ومقداره (‪:)2‬‬
‫ذهب جمهور الفقهاء من المذاهب األربعة وغيرهم إلى أن قطع اليد يكون من‬
‫الكوع‪ ،‬وهو مفصل الكف‪ ،‬قالوا‪ :‬ألن النبي ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬قطع السارق‬
‫من الكوع (‪ ،)3‬ولقول أبي بكر وعمر ‪ -‬رضي هللا عنهما ‪« :-‬إذا سرق‬
‫السارق‪ ،‬فاقطعوا يمينه من الكوع» (‪.)4‬‬
‫وذهب بعض الفقهاء إلى أن موضع القطع من اليد‪ :‬المنكب‪ ،‬ألن اليد اسم للعضو‬
‫من أطراف األصابع إلى المنكب‪ ،‬وذهب بعضهم إلى أن موضع القطع‪ :‬مفاصل‬
‫األصابع التي تلي الكف (!!)‪.‬‬
‫قال ابن حزم ‪ -‬مؤيدًا ما ذهب إليه الجمهور بعد تصحيح إيقاع اسم اليد على كل‬
‫ما تقدم ‪« :-‬فإذا كان ذلك كذلك‪ ،‬فإنما يلزمنا أقل ما يقع عليه اسم يد‪ ،‬ألن اليد‬
‫محرمة قطعها قبل السرقة ثم جاء النص بقطع اليد‪ ،‬فوجب أن ال يخرج من‬
‫التحريم المتيقن المتقدم شيء إال ما تيقن خروجه‪ ،‬وال يقين إال في الكف فال يجوز‬
‫قطع أكثر منها‪ ،‬وهكذا وجدنا هللا تعالى إذ أمرنا في التيمم بما أمر إذ يقول تعالى‪:‬‬
‫{فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} (‪ .)5‬ففسر‬
‫‪5‬‬
‫رسول هللا ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬مراد هللا تعالى بذكر األيدي ههنا وأنه الكفان‬
‫فقد كان على ما قد أوردناه ‪ »...‬اهـ‪.‬‬
‫الرجل هو‪ :‬مفصل الكعب من الساق‪ ،‬فعل ذلك عمر ‪ -‬رضي هللا‬
‫وموضع قطع ِّ‬
‫عنه ‪ ،-‬وذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية‪ ،‬وهو رواية‬
‫عن أحمد‪ .‬والرواية األخرى عنه ‪ -‬وبها قال بعض الفقهاء ‪ -‬أن موضع القطع‪:‬‬
‫أصول‬
‫الرجل‪ ،‬لما روي عن علي ِّ أنه‪« :‬كان يقطع من شطر القدم‪ ،‬ويترك‬
‫أصابع ِّ‬
‫للسارق عقبه يمشي عليها» (‪.)1‬‬
‫‪ - 3‬كيفية القطع‪:‬‬
‫ال خالف بين الفقهاء في أنه ينبغي مراعاة اإلحسان في إقامة الحد‪ ،‬لقوله ‪ -‬صلى‬
‫هللا عليه وسلم ‪« :-‬ال تكونوا عون الشيطان على أخيكم»‪.‬‬
‫وقد ذكر الفقهاء أنه ينبغي على الحاكم أن يتخيَّر الوقت المالئم للقطع بحيث‬
‫يجتنب الحر والبرد الشديدين‪ ،‬إن كان ذلك يؤدي إلى اإلضرار بالسارق‪ ،‬وال يقيم‬
‫الح َّد أثناء مرض يرجى زواله‪ ،‬وال يقيم الحد على الحامل والنفساء‪.‬‬
‫كما ينبغي أن يساق السارق إلى مكان القطع سوقًا رفيقًا‪ ،‬فال يعنف به‪ ،‬وال يعيَّر‪،‬‬
‫وال يُسب‪ ،‬فإذا وصل إلى مكان القطع‪:‬‬
‫(يجلس‪ ،‬ويضبط لئال يتحرك فيجني على نفسه‪ ،‬وتُشد يده بحبل‪ ،‬ويُجر حتى يبين‬
‫مفصل الذراع‪ ،‬ثم توضع بينهما سكين حادة‪ ،‬ويدق فوقها بقوة ليقطع في مرة‬
‫علم قطع أوحى من ذلك ‪-‬‬
‫واحدة‪ ،‬أو توضع على المفصل وتمد مدة واحدة‪ ،‬وإن ُ‬
‫أي أسرع ‪ -‬قطع به) اهـ (‪.)2‬‬
‫َح ْس ُم موضع القطع (‪:)3‬‬
‫ُروي عن أبي هريرة ‪ -‬رضي هللا عنه ‪« :-‬أن رسول هللا ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪-‬‬
‫أُتي بسارق سرق شملة‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول هللا إن هذا قد سرق‪ ،‬فقال رسول هللا ‪-‬‬
‫صلى هللا عليه وسلم ‪« :-‬اذهبوا به فاقطعوه‪ ،‬ثم احسموه‪ ،‬ثم ائتوني به ‪»...‬‬
‫الحديث (‪.)4‬‬
‫‪6‬‬
‫وهو حديث ضعيف‪ ،‬ومع هذا فقد اتفق الفقهاء على حسم موضع القطع‪ ،‬وذلك‬
‫باستعمال ما يسد العروق‪ ،‬ويوقف الدم‪ ،‬لما فيه من مصلحة السارق وحفظه من‬
‫الهالك‪.‬‬
‫لكنهم اختلفوا في حكم الحسم‪ :‬فذهب الحنفية والحنابلة وهو القول مقابل األصح‬
‫عند الشافعية إلى أنه واجب عيني على من قام بالقطع لألمر بذلك في الحديث‬
‫(!!) وذهب المالكية إلى أنه فرض على الكفاية‪ ،‬فال يلزم واحدًا بعينه‪ ،‬فإذا قام به‬
‫القاطع أو المقطوع أو غيرهما فقد حصل المقصود‪.‬‬
‫وقال الشافعية ‪ -‬في األصح عندهم ‪ :-‬األمر بالحسم يحمل على الندب؛ ألنه حق‬
‫للمقطوع إلتمام الحد‪ ،‬فيجور لإلمام تركه‪ ،‬وحينئذ يندب لإلمام ولغيره أن يفعله‪،‬‬
‫وال يمنع ذلك من وجوبه على السارق إذا لم يقم به أحد‪ ،‬فإن تعذَّر عليه فعل‬
‫الحسم وترتب على تركه تلف محقق فال يجوز لإلمام إهماله‪ ،‬بل يجب عليه فعله‪.‬‬
‫هل تعلَّق اليد المقطوعة في عنق السارق؟ (‪)1‬‬
‫عا‬
‫سن ‪ -‬عند الشافعية والحنابلة ‪ -‬تعليق اليد المقطوعة في عنق السارق‪ ،‬رد ً‬
‫يُ َ‬
‫للناس‪ ،‬واستدلوا بما ُروي عن فضالة بن عبيد‪« :‬أن النبي ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم‬
‫ أُتي بسارق فقطعت يده‪ ،‬ثم أمر بها فعلقت في عنقه» (‪ )2‬وهو حديث ضعيف‪.‬‬‫وذهب الحنفية إلى أن تعليق اليد ال يُسن‪ ،‬بل يترك األمر لإلمام‪ ،‬إن رأى فيه‬
‫مصلحة فعله‪ ،‬وإال فال‪.‬‬
‫مأثورا عن السلف‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا أقرب‪ ،‬لضعف الحديث المرفوع وإن كان‬
‫ً‬
‫‪ - 4‬تكرر السرقة بعد القطع (‪:)3‬‬
‫(أ) إذا قطعت يمين السارق‪ ،‬قم عاد للسرقة مرة ثانية فكيف تكون عقوبته؟‬
‫اختلف أهل العلم في ذلك على ثالثة أقوال‪:‬‬
‫األول‪ :‬ال قطع عليه‪ ،‬وإنما يضرب ويُحبس‪ ،‬وهو مذهب عطاء بن أبي رباح ‪-‬‬
‫رحمه هللا ‪ -‬فعن ابن جريج أنه قال لعطاء‪ :‬إن سرق ثانية؟ قال‪ :‬ما أرى أن تقطع‬
‫إال في السرقة األولى اليد فقط‪ ،‬قال هللا تعالى‪{ :‬فاقطعوا أيديهما} (‪ .)1‬ولو شاء‬
‫أمر‬
‫‪7‬‬
‫بالرجْ ل‪ ،‬ولم يكن هللا تعالى نسيًّا (‪.)2‬‬
‫ِّ‬
‫الثاني‪ :‬تُقطع يده اليسرى فإن عاد فال قطع عليه وإنما َّ‬
‫يعزر بالضرب والحبس‬
‫وهو مذهب ربيعة وداود وابن حزم الظاهريين؛ ألن هللا تعالى أمر بقطع األيدي‬
‫وهي تشمل اليمنى واليسرى‪ ،‬وإدخال األرجل في القطع زيادة على النص‪ ،‬وألنها‬
‫آلة السرقة والبطش‪ ،‬فكانت العقوبة بقطعها أولى‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬تُقطع رجلُه اليُسرى‪ ،‬وهو مذهب عامة الفقهاء وجماهير أهل العلم من‬
‫األئمة األربعة وغيرهم‪ ،‬وهو مروي عن أبي بكر وعمر ‪ -‬رضي هللا عنهما ‪.-‬‬
‫واستدلوا بجملة أحاديث مرفوعة تشتمل على هذا الحكم‪ ،‬إال أنها جميعًا ضعيفة ال‬
‫تقوم يها الحجة‪ ،‬وكذلك استندوا إلى آثار عن الصحابة ‪ -‬رضي هللا عنهم ‪،-‬‬
‫وسيأتي ذكر طرف من هذه األحاديث واآلثار عما قريب‪ ،‬إن شاء هللا‪.‬‬
‫قال ابن عبد البر‪« :‬ثبت عن الصحابة ‪ -‬رضي هللا عنهم ‪ -‬قطع الرجل بعد اليد‬
‫وهم يقرءون {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} (‪.)3‬‬
‫قلت‪ :‬وثبت عن عمرو بن دينار أن نجدة بن عامر كتب إلى ابن عباس‪ :‬السارق‬
‫يسرق فتُقطع يده‪ ،‬ثم يعود فتقطع يده األخرى؟ قال هللا تعالى‪{ :‬فاقطعوا أيديهما}‪.‬‬
‫قال‪ :‬قال‪« :‬بلى‪ ،‬ولكن ورجله من خالف» (‪.)4‬‬
‫وثبت عن عائشة ‪ -‬في قصة الرجل األسود الذي كان أبو بكر يُدنيه يقرئه‬
‫القرآن ثم قطعت يده في سرقة ‪ -‬قالت‪ ...« :‬ثم أدناه [أي‪ :‬أبو بكر] ولم يحول‬
‫منزلته التي كانت له منه‪ ،‬فلم يغب إال ً‬
‫عا‪،‬‬
‫قليال حتى فقد آ ُل أبي بكر حليًّا لهم ومتا ً‬
‫فقال أبو بكر‪ :‬طرق الحي الليلة‪ ،‬فقام األقطع فاستقبل القبلة‪ ،‬ورفع يده الصحيحة‬
‫واألخرى التي قطعت‪ ،‬فقال‪ :‬اللهم أظهره على من سرقهم ‪ -‬أو نحو هذا ‪ -‬فما‬
‫انصرف النهار حتى ظهر المتاع عنده‪ ،‬فقال له أبو بكر‪ :‬ويلك‪ ،‬إنك لقليل العلم‬
‫باهلل‪ ،‬فأمر به فقطعت رجله» (‪.)1‬‬
‫وعن ابن عباس قال‪« :‬رأيت عمر بن الخطاب قطع يد رجل‪ ،‬بعد يده ورجله»‬
‫(‪.)2‬‬
‫(ب) إذا عاد للسرقة ثالثة ورابعة وخامسة‪:‬‬
‫‪8‬‬
‫ثم اختلف هؤالء ‪ -‬أعني الجمهور ‪ -‬فيما إذا عاد السارق للسرقة ‪ -‬بعد قطع رجله‬
‫اليسرى ‪ -‬ثالثة ورابعة وخامسة‪ ،‬على ثالثة أقوال كذلك‪:‬‬
‫األول‪ :‬ال قطع عليه في المرة الثالثة‪ ،‬وإنما يضرب ويحبس‪ :‬وهو مذهب أبي‬
‫حنيفة وأصحابه وأحمد في المشهور عنه ‪ -‬وهو المذهب ‪ -‬وبه قال الحسن‬
‫والشعبي والثوري والزهري والنخعي واألوزاعي وحماد‪ ،‬وهو مروي عن عمر‬
‫بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ‪ -‬رضي هللا عنهما ‪ -‬وحجة هذا القول ما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬عن عمر ‪ -‬رضي هللا عنه ‪ -‬أنه «أُتي برجل قد سرق يقال له سدوم‪ ،‬فقطعه‬
‫ثم أتى به الثانية فقطعه‪ ،‬ثم أتى به الثالثة فأراد أن يقطعه‪ ،‬فقال له علي‪« :‬ال‬
‫تفعل‪ ،‬إنما عليه يد ورجل‪ ،‬ولكن أحبسه» وفي لفظ‪« :‬فحبسه عمر» (‪.)3‬‬
‫‪ - 2‬وعن أبي الضحى قال‪« :‬كان علي بن أبي طالب ال يزيد في السرقة على‬
‫قطع اليد والرجل»‪.‬‬
‫‪ - 3‬وعن عبد أهلل بن مسلمة‪ :‬أن علي بن أبي طالب أتى بسارق فقطع يده‪ ،‬ثم أتى‬
‫به فقطع رجله‪ ،‬ثم أُتي به الثالثة‪ ،‬فقال‪« :‬إني استحيي أن أقطع يده‪ ،‬فبأي شيء‬
‫يأكل؟! أو أقطع رجله‪ ،‬فعلى أي شيء يعتمد؟!» فضربه وحبسه (‪.)4‬‬
‫‪ - 4‬وألن في قطع اليدين تفويت منفعة الجنس‪ ،‬فلم يُشرع في حد‪ ،‬كالقتل‪.‬‬
‫‪ - 5‬وألنه لو جاز قطع اليدين لقطعت اليسرى في المرة الثانية؛ ألنها آلة البطش‬
‫كاليمنى‪ ،‬وإنما لم تقطع للمفسدة في قطعها‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬تقطع يده اليسرى في الثالثة‪ ،‬ثم رجله اليمنى في الرابعة‪ ،‬ثم إن عاد في‬
‫الخامسة يعزر ويحبس‪ :‬وهذا مذهب الجمهور (المالكية والشافعية والرواية‬
‫األخرى في مذهب أحمد) وهو مروي عن أبي بكر وعمر (!!) ‪ -‬رضي هللا‬
‫عنهما ‪ -‬وبه قال إسحاق وقتادة وأبو ثور‪ ،‬واحتج هؤالء بما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬آية المحاربة (!!) قال تعالى‪{ :‬إنما جزاء الذين يحاربون هللا ورسوله ويسعون‬
‫في األرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من‬
‫خالف أو ينفوا من األرض} (‪.)1‬‬
‫‪9‬‬
‫‪ - 2‬حديث أبي هريرة أن رسول هللا ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬قال‪« :‬إذا سرق‬
‫السارق فاقطعوا يده‪ ،‬فإن عاد فاقطعوا رجله‪ ،‬فإن عاد فاقطعوا يده‪ ،‬فإن عاد‬
‫فاقطعوا رجله» (‪ )2‬وسنده تألف (!!)‪.‬‬
‫‪ - 3‬حديث عصمة بن مالك ‪ -‬رضي هللا عنه ‪ -‬قال‪ :‬سرق مملوك في عهد النبي ‪-‬‬
‫صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬فرفع إلى النبي ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬فعفى عنه ‪..‬‬
‫(أربع مرات) ‪ ...‬ثم رفع إليه الخامسة وقد سرق‪ ،‬فقطع يده‪ ،‬ثم رفع إليه السادسة‬
‫فقطع رجله‪ ،‬ثم رفع إليه السابعة فقطع يده‪ ،‬ثم رفع إليه الثامنة فقطع رجله‪ ،‬وقال‬
‫رسول هللا ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪« :-‬أربع بأربع» (‪ )3‬وسنده ساقط (!!)‪.‬‬
‫‪ - 4‬أنه فعل أبي بكر وعمر ‪ -‬رضي هللا عنهما ‪ )!!( -‬فعن القاسم بن محمد «أن‬
‫أبا بكر قطع يد سارق في الثالثة» (‪ )4‬وهو منقطع‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬كالقول السابق‪ ،‬إال أنه إن عاد في الخامسة يُقتل‪ ،‬وهو مروي عن عثمان‬
‫بن عفان وعمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز‪ ،‬وأبي مصعب المالكي وذكره‬
‫قوال عن مالك ً‬
‫الحافظ ً‬
‫أوال ثم إنه رجع عنه واستقر رأيه على تعزيره دون‬
‫قتله ‪ -‬وهو ما ذهب إليه الشافعي في القديم‪ ،‬واستدلوا بما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬حديث جابر قال‪ :‬جيء بسارق إلى النبي ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬فقال‪:‬‬
‫«اقتلوه» فقالوا‪ :‬يا رسول هللا إنما سرق‪ ،‬فقال‪« :‬اقطعوه» قال‪ :‬فقطع‪ ،‬ثم جيء به‬
‫الثانية‪ ،‬فقال‪« :‬اقتلوه» فقالوا‪ :‬يا رسول هللا‪ ،‬إنما سرق‪ ،‬قال‪« :‬اقطعوه» ‪ ..‬فأتي‬
‫به الخامسة فقال‪« :‬اقتلوه» قال جابر‪ :‬فانطلقنا به فقتلناه‪ ،‬ثم اجتررناه فألقيناه في‬
‫بئر‪ ،‬ورمينا عليه الحجارة (‪ )1‬وهو ضعيف‪.‬‬
‫‪ - 2‬حديث الحارث بن حاطب بنحو حديث جابر مع شيء من المغايرة في لفظه‪،‬‬
‫وهو منكر كما قال النسائي والذهبي (‪.)2‬‬
‫‪ - 3‬حديث عبد هللا بن زيد الجهني ‪ -‬رضي هللا عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪ -‬صلى‬
‫عا فاقطعوا يده‪ ،‬فإن سرق فاقطعوا رجله‪ ،‬فإن‬
‫هللا عليه وسلم ‪« :-‬من سرق متا ً‬
‫سرق فاقطعوا يده‪ ،‬فإن سرق فاقطعوا رجله‪ ،‬فإن سرق فاضربوا عنقه» (‪)3‬‬
‫وسنده تالف‪.‬‬
‫‪10‬‬
‫وقد أجاب العلماء عن حديث جابر بأنه ضعيف‪ ،‬وعلى فرض صحته‪ ،‬فقيل‪:‬‬
‫منسوخ‪ ،‬وهو محكي عن الشافعي‪ ،‬وناسخه هو عين الناسخ لقتل شارب الخمر في‬
‫الرابعة ‪ -‬على ما تقدم ‪ -‬وقيل‪ :‬هذه حكومة مختصة بهذا الرجل وقد علم‬
‫رسول هللا ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬أن المصلحة في قتله‪ ،‬ولذلك أمر بقتله من أول‬
‫مرة‪ ،‬وقيل‪ :‬يخرج على أن هذا الرجل كان من المفسدين في األرض‪ ،‬وهذا يعزي‬
‫لإلمام مالك‪ ،‬رحمه هللا‪.‬‬
‫الترجيح‪:‬‬
‫الذي يظهر لي بعد هذا العرض لمذاهب العلماء ودراسة أدلتهم أن أقوى هذه‬
‫كرر السرقة ثانية ‪ -‬بعد قطع يده اليمنى ‪-‬‬
‫األقوال األول‪ ،‬القائل‪ ،‬بأن السارق إذا َّ‬
‫فإنه تقطع رجله اليسرى‪ ،‬ثم ال قطع عليه إن عاد‪ ،‬وإنما يضرب ويحبس ‪ -‬ولو‬
‫مدى الحياة ‪ -‬حتى يظهر الصالح‪ ،‬لقضاء الصحابة ‪ -‬رضي هللا عنهم ‪ -‬بذلك‪.‬‬
‫ولو ذهب ذاهب إلى قول ربيعة وابن حزم من أنه تقطع يده اليسرى في الثانية ‪-‬‬
‫بعد اليمنى ‪ -‬ثم ال قطع عليه وإنما ي َّ‬
‫ُعزر‪ ،‬فال يكون بعيدًا وال شاذًّا كما قيل‪ ،‬وهللا‬
‫أعلم‪ .‬ما يسقط به الحد‪:‬‬
‫‪ - 2 ،1‬الشفاعة‪ ،‬وعفو المسروق منه (‪:)1‬‬
‫أجمع الفقهاء على جواز الشفاعة بعد السرقة وقبل أن يصل األمر إلى الحاكم‪ ،‬إذا‬
‫سترا له وإعانة على التوبة‪.‬‬
‫كان السارق ال يُعرف بشر‪ً ،‬‬
‫وأما إذا وصل األمر إلى الحاكم فالشفاعة فيه حرام‪ ،‬كما تقدم بيانه في بداية‬
‫«كتاب الحدود»‪.‬‬
‫وكذلك الشأن في العفو‪ ،‬لقوله ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪« :-‬تعافوا الحدود فيما‬
‫بينكم‪ ،‬فما بلغني من حد فقد وجب» (‪.)2‬‬
‫وقوله ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬لصفوان لما تصدق بردائه على سارقه بعد رفعه‬
‫إلى النبي ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪« :-‬فهال قبل أن تأتيني به؟!» (‪.)3‬‬
‫فإذا عفا المسروق منه عن السارق ‪ -‬قبل رفعه ‪ -‬سقط عنه الحد‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫‪ - 3‬الرجوع عن اإلقرار (‪:)4‬‬
‫اتفق جمهور الفقهاء من المذاهب األربعة على أن السارق إذا رجع عن إقراره‬
‫(اعترافه) قبل القطع‪ ،‬سقط عنه الحد‪ ،‬ألن الرجوع عن اإلقرار يورث شبهة‪.‬‬
‫وذهب بعض الفقهاء إلى أن رجوع السارق في إقراره ال يقبل منه‪ ،‬وال يسقط عنه‬
‫الحد‪ ،‬ألنه لو أقر آلدمي بقصاص أو بحق لم يُقبل رجوعه عنه‪ ،‬فكذلك الحكم إذا‬
‫أقر بالسرقة‪.‬‬
‫‪ - 4‬هل يسقط الحد بتوبة السارق؟‬
‫اتفق الفقهاء على أن التوبة النصوح‪ ،‬أي‪ :‬الندم الذي يورث عز ًما على إرادة‬
‫الترك تسقط عذاب اآلخرة عن السارق‪ ،‬واتفقوا على أنه إذا تاب بعد القدرة عليه‬
‫وقيام البينة عليه ورفعه للحاكم‪ ،‬لم يسقط عنه الحد‪.‬‬
‫ثم اختلفوا فيما إذا تاب قبل القدرة عليه ورفعه إلى الحاكم على قولين‪ ،‬تقدم‬
‫بسطهما في مقدمة «كتاب الحدود» ورجحنا هناك أن التوبة تسقط الح َّد عمو ًما‪،‬‬
‫حد السرقة قوله تعالى ‪ -‬عقب ذكر عقوبة السارق‪{ :‬فمن‬
‫ومما يدل على ذلك في ِّ‬
‫تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن هللا يتوب عليه إن هللا غفور رحيم} (‪ .)1‬وهو يدل‬
‫على أن التائب ال يقام عليه الحد‪ ،‬إذ لو أقيم عليه الحد بعد التوبة لما كان لذكرها‬
‫فائدة‪.‬‬
‫وهذا مهب الشافعية ‪ -‬في أصح القولين ‪ -‬والحنابلة في رواية (‪.)2‬‬
‫لكن تبقى مسألة وهي‪:‬‬
‫هل من شرط التوبة ضمان المسروق ورده لصاحبه؟ (‪)3‬‬
‫‪ - 1‬إن كانت العين المسروقة موجودة‪ :‬فأجمعوا على أن من شرط صحة توبته‪:‬‬
‫معسرا‪ ،‬وسواء أقيم عليه الحد‬
‫موسرا أو‬
‫أداؤها إلى صاحبها‪ ،‬سواء كان السارق‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أو لم يقم‪ ،‬وسواء ُوجد المسروق عنده أو عند غيره‪.‬‬
‫‪ - 2‬إن كانت العين المسروقة قد تلفت‪ :‬فإن لم يُقم الحد على السارق لسبب يمنع‬
‫القطع فيجب عليه رد قيمة المسروق بال خالف‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫وإن كان أقيم عليه الحد‪ ،‬اختلف العلماء في وجوب ضمان المسروق على‬
‫ثالثة أقوال‪:‬‬
‫معسرا‪ :‬وهو مذهب‬
‫موسرا أو‬
‫األول‪ :‬يلزمه الضمان لتمام توبته سواء كان‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الجمهور‪ ،‬منهم‪ :‬الشافعي وأحمد وإسحاق والليث والنخعي والحسن والزهري‬
‫وغيرهم‪ ،‬قالوا‪ :‬ألن هذه العين تعلَّق بها حقان‪ :‬حق هلل‪ ،‬وحق لمالكها‪ ،‬وهما حقان‬
‫لمستحقين متباينين فال يبطل أحدهما اآلخر‪ ،‬بل يستوفيان معًا‪ ،‬أن القطع حق هلل‪،‬‬
‫والضمان حق لمالكها‪.‬‬
‫عا‪« :‬على اليد ما أخذت حتى‬
‫وقد ُروي من طريق الحسن عن سمرة مرفو ً‬
‫تؤدي» (‪.)4‬‬
‫الثاني‪ :‬ال يجب الضمان مطلقًا‪ ،‬وال تتوقف صحة توبته عليه‪ ،‬وهو مذهب أبي‬
‫حنيفة‪ ،‬وبه قال عطاء وابن سيرين والشعبي ومكحول وغيرهم‪ ،‬وحجتهم‪:‬‬
‫‪ - 1‬قوله تعالى‪{ :‬والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكاال من‬
‫هللا} (‪ .)1‬قالوا‪ :‬فسمى القطع جزاء‪ ،‬والجزاء يبنى على الكفاية‪ ،‬فلو ضم إليه‬
‫الضمان لم يكن القطع كافيًا فلم يكن جزا ًء‪ ،‬فعلم أن التضمين عقوبة زائدة على‬
‫الجزاء فال تُشرع‪.‬‬
‫وأجاب الجمهور بأن مجموع الجزاء ‪ -‬إن أريد به‪ :‬مجموع العقوبة ‪ -‬فصحيح هو‬
‫القطع‪ ،‬والقول بالتضمين ال دخل له في العقوبة‪ ،‬ولهذا يجب الضمان في حق غير‬
‫الجاني‪ :‬كمن أتلف مال غيره خطأ أو إكرا ًها‪ ،‬ولهذا فإن سقوط الحد ال يسقط‬
‫الضمان لتفاوت الحقين ‪ -‬حق هللا وحق العبد ‪ -‬بتفاوت جهتهما‪.‬‬
‫‪ - 2‬حديث عبد الرحمن بن عوف ‪ -‬رضي هللا عنه ‪ -‬عن النبي ‪ -‬صلى هللا عليه‬
‫وسلم ‪« :-‬أنه قضي في السارق إذا أقيم عليه الحد أنه ال غرم غليه» (‪ )2‬ولذا‬
‫قالوا‪ :‬ال يجتمع حد وضمان‪ ،‬ألن الحكم بالضمان يجعل المسروق مملو ًكا‬
‫للسارق‪ ،‬مستندًا إلى وقت األخذ فال يجوز إقامة الحد عليه‪ ،‬ألنه ال يقطع أحد في‬
‫ملك نفسه‪.‬‬
‫وأجاب الجمهور بأنه حديث ضعيف ال يحتج به‪.‬‬
‫‪13‬‬
‫موسرا‪ ،‬وإال لم يلزمه‪ ،‬وهو مذهب مالك وغيره‬
‫الثالث‪ :‬يلزمه الضمان إن كان‬
‫ً‬
‫من فقها المدينة واستحسنه ابن القيم‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬لئال تجتمع على السارق ‪ -‬المعسر ‪ -‬عقوبتان‪ :‬قطع يده‪ ،‬واتباع ذمته‪.‬‬
‫قال ابن القيم‪ :‬وهذا استحسان حسن جدًّا‪ ،‬وما أقربه من محاسن الشرع‪ ،‬وأواله‬
‫بالقبول‪ ،‬وهللا سبحانه وتعالى أعلم‪ .‬اهـ‪.‬‬
‫الراجح (‪:)3‬‬
‫والذي يترجح لي هو ما ذهب إليه الجمهور من إيجاب الضمان على السارق‬
‫موسرا‬
‫مطلقًا وأنه من تمام توبته من غير فرق بين الموسر والمعسر‪ ،‬فإن كان‬
‫ً‬
‫تعيَّن دفعه‪ ،‬وإن كان غير قادر فقد قال هللا تعالى في حق غير القادرين‪{ :‬وإن كان‬
‫ذو‬
‫عسرة فنظرة إلى ميسرة} (‪.)1‬‬
‫وأما رأي المالكية ‪ -‬الذي استحسنه ابن القيم ‪ -‬فهو مجرد استحسان‪.‬‬
‫واالستحسان هو «الحكم على مسألة بحكم يخالف نظائرها لدليل شرعي» ولم‬
‫يذكروا ً‬
‫دليال شرعيًّا يقضي بهذا االستحسان‪ ،‬وهللا أعلم‪.‬‬
‫‪ - 5‬هل يسقط الحد بتملك السارق المسروق قبل الحكم؟ (‪)2‬‬
‫إذا تملَّك السارق المسروق قبل القضاء‪ ،‬بأن اشتراه أو ُوهب له أو نحو ذلك‪ ،‬فإن‬
‫القطع يسقط عنه عند الجمهور‪ ،‬ألن المطالبة شرط للحكم بالقطع‪ ،‬فإذا تملكه‬
‫السارق قبل القضاء امتنعت المطالبة‪ ،‬وخالف المالكية ‪ -‬لعدم اشتراطهم المطالبة‬
‫ فقالوا‪ :‬ال يسقط الحد‪.‬‬‫أما إذا حدث الملك بعد القضاء ‪ -‬وقبل القطع ‪ -‬فال يسقط الحد عند الجمهور ‪-‬‬
‫الحد لم يوجد شبهة في الوجوب‪ ،‬فلم‬
‫خالف للحنفية ‪ -‬ألن ما حديث بعد وجوب ِّ‬
‫يؤثر في الحد‪ ،‬ولو كان حدوث الملك ‪ -‬بعد القضاء ‪ -‬يسقط الحد‪ ،‬لما قطع النبي ‪-‬‬
‫صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬سارق رداء صفوان بعدما تصدق به عليه‪ ،‬بل قال له ‪-‬‬
‫صلى هللا عليه وسلم ‪« :-‬فال قبل أن تأتيني به» (‪.)3‬‬
‫‪14‬‬
‫ال يسقط الحد بالتقادُم (‪:)4‬‬
‫ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وزفر ‪ -‬من الحنفية ‪ -‬إلى أن‬
‫الحد ال يسقط بالتقادم‪ ،‬ألن الحكم لم يصدر إال بعد أن ثبتت السرقة‪ ،‬فوجب تنفيذه‬
‫مهما طال الزمن‪ ،‬وال ينبغي أن يكون هروب الجاني أو تراخي التنفيذ من أسباب‬
‫سقوط الحد‪ ،‬وإال كان ذلك ذريعة إلى تعطيل حدود هللا‪.‬‬
‫بينما ذهب الحنفية ‪ -‬عدا زفر ‪ -‬إلى أن تقادم التنفيذ بعد القضاء يسقط القطع؛ ألن‬
‫القضاء في باب الحدود ‪ -‬عندهم ‪ -‬إمضاؤها‪ ،‬فما لم تمض فكأنه لم يقض‪ ،‬وألن‬
‫التقادم في التنفيذ كالتقادم في اإلثبات بالبينة (!!)‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقول الجمهور هو الصواب‪ ،‬ألن الح َّد إذا ثبت بيقين‪ ،‬فال يسقط إال بدليل‪.‬‬
‫(ب) العقوبات التعزيرية للسارق (‪:)1‬‬
‫تجوز العقوبة بالتعزير على كل سرقة لم تكتمل أركانها‪ ،‬أو لم تستوف شروطها‪،‬‬
‫لعدم وجوب الحد فيها‪ ،‬وعلى سرقة دُرئ الحد فيها لوجود شبهة‪ ،‬فيترتب على‬
‫السارق ‪ -‬بالتعزير‪ -‬عقوبتان‪ :‬عقوبة بدنية‪ ،‬بالضرب ونحوه ً‬
‫نكاال له‪ ،‬وعقوبة‬
‫مالية‪ :‬بتضعيف الغُرم للمسروق‪ ،‬وبهذا قضي النبي ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬لما‬
‫أسقط القطع عمن أخذ بفمه من الثمر المعلق وهو محتاج‪ ،‬وحكم على من خرم‬
‫بشيء منه غرامة مثليه والعقوبة (أي‪ :‬الضرب) وكذلك على من سرق من الثمر‬
‫بعد أن يوضع في مخزنه ‪ -‬ولم يبلغ نصاب القطع ‪ -‬كما تقدم في حديث عمرو‬
‫بن شعيب عن أبيه عن جده (‪.)2‬‬
‫وكذلك تجوز العقوبة بالتعزير على السرقة التي سقط فيها القطع‪.‬‬
‫وتقدَّم ذِّكر تعزير السارق في الثالثة أو الخامسة ‪ -‬على خالف ‪ -‬ويكون بالحبس‬
‫أو الضرب ونحوه‪ ،‬وهذه العقوبات يرجع في تقديرها إلى اجتهاد األئمة في كل‬
‫زمان ومكان حسب المصلحة‪.‬‬
‫‪15‬‬
‫(‪« )1‬المغني» (‪ ،)271 /10‬و «األحكام السلطانية» للماوردي (ص ‪ ،)236‬و‬
‫«معالم السنن» (‪ ،)313 /3‬و «الحدود والتعزيرات (ص‪.)403 :‬‬
‫مرارا‪.‬‬
‫(‪ )2‬حديث حسن‪ :‬تقدم تخريجه‬
‫ً‬
‫‪16‬‬
Download